فهرس الكتاب
خِلافًا للكِسائيِّ، ولا (جاءَنِي الذي لَيْتَهُ قائمٌ) خلافًا لهشامٍ، واحْتُرِزَ بـ (خاليةٍ) من معنى التعجُّبِ مِن جملةِ التعجُّبِ، فلا يَجُوزُ (جَاءَنِي الذي ما أَحْسَنَهُ) ، وإنْ قُلْنَا: إنها خَبَرِيَّةٌ، واحْتُرِزَ (بغيرِ مفتقرةٍ إلى كلامٍ قبلَها) من نحوِ: (جاءني الذي لكِنَّهُ قائمٌ) ؛ فإنَّ هذه الجملةَ تَسْتَدْعِي سَبْقَ جملةٍ أُخْرَى، نحوُ: (ما قَعَدَ زيدٌ لكنَّه قائمٌ) .
ويُشْتَرَطُ في الظرفِ والجارِّ والمجرورِ أنْ يَكُونَا تامَّيْنِ، والمعنيُّ بالتامِّ أنْ يكونَ في الوصلِ به فائدةٌ، نحوُ: (جاءَ الذي عِنْدَكَ والذي في الدارِ) ، والعاملُ فيهما فعلٌ محذوفٌ وُجوبًا، والتقديرُ: (جاءَ الذي اسْتَقَرَّ عندَك) ، أو (الذي اسْتَقَرَّ في الدارِ) ، فإنْ لم يَكُونَا تامَّيْنِ لم يَجُزِ الوصلُ بهما، فلا تقولُ: (جاءَ الذي بِكَ) ، ولا (جاءَ الذي اليومَ) .
وصفةٌ صريحةٌ صِلَةُ ألْ ... وكَوْنُهَا بمُعْرَبِ الأفعالِ قَلْ [1]
الألفُ واللامُ لا تُوصَلُ إلا بالصفةِ الصريحةِ، قالَ المصنِّفُ في بعضِ كُتُبِه: وأعني بالصفةِ الصريحةِ اسمَ الفاعلِ، نحوَ: (الضاربِ) ، واسمَ المفعول نحوَ: (المضروبِ) ، والصفةَ المُشَبَّهَةَ، نحوَ: (الحَسَنِ الوجهِ) ، فخَرَجَ نحوُ: (القُرَشِيِّ والأفضلِ) [2] ، وفي كونِ الألفِ واللامِ الداخلتيْنِ على الصفةِ المشبَّهَةِ موصولةً خلافٌ، وقدِ اضْطَرَبَ اختيارُ الشيخِ أبي الحسنِ بنِ عُصْفُورٍ في هذه المسألةِ فمَرَّةً قالَ: إنها موصولةٌ، ومَرَّةً منَعَ ذلكَ [3] .
(1) (وصفةٌ) الواوُ للاستئنافِ، صفةٌ: خبرٌ مقدَّمٌ، (صَرِيحَةٌ) نعتٌ لصفةٌ، (صِلَةُ) مبتدأٌ مؤخَّرٌ، وصلةُ مضافٌ و (ألْ) مضافٌ إليه، (وكَوْنُهَا) كونُ: مبتدأٌ، وهو من جهةِ الابتداءِ يَحْتَاجُ إلى خبرٍ، ومن جهةِ كونِه مصدرًا لِكانَ الناقصةِ يَحتاجُ إلى اسمٍ وخبرٍ، فالضميرُ المتَّصِلُ به اسمُه، و (بِمُعْرَبٍ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرُه مِن حيثُ النُّقْصَانُ، ومعرب مضافٌ و (الأفعالِ) مضافٌ إليه، (قَلْ) فعلٌ ماضٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جوازًا تقديرُه هو يعودُ إلى كونها الواقعِ مبتدأً، والجملةُ في مَحَلِّ رفعِ خبرِ المبتدأِ.
(2) أمَّا خُرُوجُ نحوِ: (القُرَشِيِّ) فلأنَّه ليسَ وصفًا، وإنما هو مُؤَوَّلٌ بالوصفِ، فإنَّهم يُؤَوِّلُونَه بالمنسوبِ إلى قريشٍ لِيُصَحِّحُوا وُقُوعَه نعتًا، وأمَّا خروجُ نحوِ: (الأَفْضَلِ) فلِعَدَمِ مُشَابَهَتِهِ للفِعْلِ، وسَنُوَضِّحُه، وخَرَجَ أيضًًا ما سُمِّيَ به مِن الصفاتِ؛ كالصاحبِ والأَبْطَحِ والأَجْرَعِ.
(3) للعلماءِ خلافٌ طويلٌ في جوازِ وصلِ ألْ بالصفةِ المُشَبَّهَةِ، فجمهورُهم على أنَّ الصفةَ المشبَّهَةَ لا تكونُ صلةً لألْ، فألِ الداخلةُ على الصفةِ المشبَّهةِ عندَ هؤلاءِ مُعَرِّفَةٌ لا موصولةٌ؛ والسرُّ في ذلك أنَّ الأصلَ في الصلاتِ للأفعالِ، والصفةُ المشبَّهةُ بعيدةُ الشَّبَهِ بالفعلِ مِن حيثُ المعنَى؛ وذلك لأنَّ الفعلَ يَدُلُّ على الحدوثِ، والصفةَ المشبَّهَةَ لا تَدُلُّ عليه، وإنما تَدُلُّ على اللزومِ.
ويُؤَيِّدُ هذا أنهم اشْتَرَطُوا في اسمِ الفاعلِ واسمِ المفعولِ وأمثلةِ المبالغةِ التي تَقَعُ صلةً لألْ -أنْ يكونَ كلُّ واحدٍ مِنها دالاًّ على الحدوثِ، ولو دَلَّ أحدُها على اللزومِ لم يَصِحَّ أنْ يكونَ صلةً لألْ، بل تكونُ ألِ الداخلةُ عليه مُعَرِّفَةً، وذلكَ كالمؤمِنِ والفاسقِ والكافرِ والمنافِقِ.
وذَهَبَ قومٌ إلى أنه يَجُوزُ أنْ تكونَ الصفةُ المشبَّهَةُ صِلَةً لألْ؛ لأنَّها أَشْبَهَتِ الفعلَ من حيثُ العملُ ـ وإنْ خَالَفَتْهُ في المعنى ـ أَفَلَسْتَ تَرَى أنها ترفَعُ الضميرَ المُسْتَتِرَ، والضميرَ البارِزَ، والاسمَ الظاهرَ، كما يَرْفَعُها الفعلُ جميعًا؟ وأَجْمَعُوا على أنَّ أفعلَ التفضيلِ لا يكونُ صِلَةً لألْ؛ لأنَّه لم يُشْبِهِ الفعلَ لا من حيثُ المعنى ولا مِن حيثُ العملُ:
أمَّا عدمُ مُشَابَهَتِهِ الفعلَ مِن حيثُ المعنى؛ فلأنَّه يَدُلُّ على الاشتراكِ معَ الزيادةِ، والفعلُ يَدُلُّ على الحدوثِ.
وأما عدمُ شَبَهِهِ بالفعلِ من حيثُ العملُ فلأنَّ الفعلَ يَرْفَعُ الضميرَ المُسْتَتِرَ والبارزَ، ويَرْفَعُ الاسمَ الظاهرَ، أمَّا أفعلُ التفضيلِ فلا يَرْفَعُ باطِّرادٍ إلا الضميرَ المُسْتَتِرَ، ويَرْفَعُ الاسمَ الظاهرَ في مسألةٍ واحدةٍ هي المعروفةُ بمسألةِ الكُحْلِ.