الصفحة 111 من 811

وقد شَذَّ وَصْلُ الألفِ واللامِ بالفعلِ المضارعِ، وإليه أشارَ بقولِهِ: (وكَوْنُهَا بمُعْرَبِ الأفعالِ قَلْ) ، ومِنه قولُه:

30 -ما أَنْتَ بِالحَكَمِ التُرْضَى حُكُومَتُهُ ... ولاَ الأَصِيلِ وَلاَ ذِي الرَّأْيِ والجَدَلِ [1]

(1) هذا البيتُ للفَرَزْدَقِ، مِن أبياتٍ له يَهْجُو بها رجلًا من بَنِي عُذْرَةَ، وكانَ هذا الرجلُ العُذْرِيُّ قد دَخَلَ على عبدِ المَلِكِ بنِ مَرْوَانَ يَمْدَحُه، وكانَ جَرِيرٌ والفرزدقُ والأخطلُ عندَه، والرجلُ لا يَعْرِفُهُم، فعَرَّفَه بهم عبدُ المَلِكِ، فعاتَبَهم العُذْرِيُّ أنْ قالَ:

فحَيَّا الإلَهُ أَبَا حَزْرَةٍ ... وأَرْغَمَ أَنْفَكَ يَا أَخْطَلُ

وجَدُّ الفَرَزْدَقِ أَتْعِسْ بِهِ ... ودَقَّ خَيَاشِيمَهُ الجَنْدَلُ

و (أبو حَزْرَةَ) كُنْيَةُ جَرِيرٍ، و (أَرْغَمَ أَنْفَكَ) يدعو عليه بالذُّلِّ والمَهانَةِ حتى يُلْصَقَ أنفُه بالرَّغامِ ـ وهو الترابُ ـ و (الجَدُّ) الحظُّ والبَخْتُ، وفي قَوْلِهِ: (وجَدُّ الفرزدقِ أَتْعِسْ به) دليلٌ على أنه يَجُوزُ أنْ يَقَعَ خبرُ المبتدأِ جملةً إنشائيةً، وهو مذهَبُ الجمهورِ، وخَالَفَ فيه ابنُ الأنباريِّ، وسَنَذْكُرُ في ذلكَ بَحثًا في بابِ المبتدأِ والخبرِ. فأَجَابَه الفرزدقُ ببَيْتَيْنِ ثانيهما بيتُ الشاهدِ، والذي قبلَه قولُه:

يَا أَرْغَمَ اللهُ أَنْفًا أَنْتَ حَامِلُهُ ... يا ذَا الخَنَى وَمَقَالِ الزُّورِ والخَطَلِ

اللغةُ: (الخَنَى) بزِنَةِ الفَتَى: هو الفُحْشُ، و (الخَطَلُ) بفتحِ الخاءِ المعجمةِ والطاءِ المهملةِ: هو المنطِقُ الفاسدُ المُضْطَرِبُ والتفحُّشُ فيه، (الحَكَمُ) بالتحريكِ: الذي يُحَكِّمُهُ الخَصمانِ كي يَقْضِيَ بينَهما، ويَفْصِلَ في خُصُومَتِهِمَا، (الأصيلُ) ذو الحَسَبِ، و (الجَدَلُ) شِدَّةُ الخصومةِ.

المعنى: يقولُ: لَسْتَ أيُّها الرجلُ بالذي يَرْضَاهُ الناسُ للفصلِ في أَقْضِيَتِهِم، ولا أنتَ بذي حَسَبٍ رَفيعٍ، ولا أنتَ بصاحبِ عقلٍ وتدبيرٍ سَدِيدٍ، ولا أنتَ بصاحبِ جَدَلٍ، فكيفَ نَرْضَاكَ حَكَمًا؟!

الإعرابُ: (ما) نافيةٌ، تَعْمَلُ عَمَلَ لَيْسَ، (أَنْتَ) اسمُها، (بالحَكَمِ) الباءُ زائدةٌ، الحَكَمِ: خبرُ ما النافيةِ، (التُرْضَى) ألْ: موصولٌ اسميٌّ نَعْتٌ للحَكَمِ، مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ جرٍّ، (تُرْضَى) فعلٌ مضارعٌ مبنيٌّ للمجهولِ، (حُكُومَتُه) حكومةُ: نائبُ فاعلٍ لِتُرْضَى، وحكومةُ مضافٌ والضميرُ مضافٌ إليه، والجملةُ لا مَحَلَّ لها؛ صلةُ الموصولِ، (ولا) الواوُ حرفُ عطفٍ، لا: زائدةٌ لتأكيدِ النفيِ، (الأَصِيلِ) معطوفٌ على الحَكَمِ، (ولا) مثلُ السابقِ، (ذي) معطوفٌ على الحَكَمِ أيضًًا، وذي مضافٌ (والرأيِ) مضافٌ إليه، (والجَدَلِ) معطوفٌ على الرأيِ.

الشاهدُ فيه: قولُه: (التُرْضَى حُكُومَتُهُ) حيثُ أتَى بصلةِ (ألْ) جملةً فعليَّةً فِعْلُها مضارِعٌ، ومثلُه قولُ ذِي الخِرَقِ الطُّهَوِيِّ:

يَقُولُ الخَنَى وأَبْغَضُ العُجْمِ نَاطِقًا ... إلى رَبِّنَا صَوْتُ الحِمَارِ اليُجَدَّعُ

فيَسْتَخْرِجُ الْيَرْبُوعَ مِن نَافِقَائِهِ ... ومِن جُحْرِهِ بالشيخةِ الْيَتَقَصَّعُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت