فهرس الكتاب
وقد يكونُ العَلَمُ بالغَلَبَةِ أيضًا مُضافًا، كابنِ عُمَرَ، وابنِ عَبَّاسٍ، وابنِ مَسْعُودٍ، فإنَّه غَلَبَ على العَبَادِلَةِ [1] دونَ غَيْرِهِم مِن أولادِهِم، وإنْ كانَ حَقُّه الصدقَ عليهم، لكِنْ غَلَبَ على هؤلاءِ حتَّى إنه إذا أُطْلِقَ (ابنُ عُمَرَ) لا يُفْهَمُ منه غيرُ عبدِ اللهِ، وكذا (ابنُ عَبَّاسٍ) و (ابنُ مسعودٍ) رَضِيَ اللهُ عَنْهُم أَجْمَعِينَ، وهذه الإضافةُ لا تُفَارِقُه لا في نداءٍ ولا في غيرِه، نحوُ: (يا بنَ عُمَرَ) .
(1) العَبَادِلَةُ: جَمْعُ عَبْدَلٍ، بزِنَةِ جَعْفَرٍ، وعَبْدَلٌ يَحْتَمِلُ أمريْنِ:
أَوَّلُهما: أنْ يكونَ أصلُه (عَبْدٌ) فزِيدَتْ لامٌ في آخرِه، كما زِيدَتْ في (زَيْدٍ) حتى صارَ زَيْدَلًا.
والثاني: أنْ يكونوا قد نَحَتُوه من (عبدِ اللهِ) فاللامُ هي لامُ لَفْظِ الجلالةِ، والنحتُ بابٌ واسعٌ، فقد قالُوا: عَبْشَمٌ مِن عبدِ شَمْسٍ، وعَبْدَرٌ من عبدِ الدارِ، ومَرْقَسٌ مِن امْرِئِ الْقَيْسِ، وقالوا: حَمْدَلَةٌ، مِن الحمدِ للهِ، وسَبْحلَةٌ مِن سُبْحَانَ اللهِ، وجَعْفَدَةٌ، من قولِهم: جُعِلْتُ فِدَاءَكَ، وطَلْبَقَةٌ، من قولِهم: أَطَالَ اللهُ بَقَاءَكَ ... وأشباهٌ لهذا كثيرةٌ.
وقالَ الشاعِرُ، ويُنْسَبُ لعمرَ بنِ أبي رَبِيعَةَ، فجاءَ بالفعلِ واسمِ فاعلِه على طريقِ النحتِ:
لقدْ بَسْمَلَتْ لَيْلَى غَدَاةَ لَقِيتُها ... فيا حَبَّذَا ذَاكَ الحَبِيبُ المُبَسْمِلُ
ولكثرةِ ما وَرَدَ من هذا النحوِ نَرَى أنه يَجُوزُ لكَ أنْ تَقِيسَ عليه؛ فتقولُ: (مَشْأَلَ مَشْأَلَةً) إذا قالَ: ما شاءَ اللهُ، وتقولُ: (سَبْحَرَ سَبْحَرَةً) إذا قالَ: سُبْحَانَ رَبِّي، وتقولُ: (نَعْمَصَ نَعْمَصَةً) إذا قالَ: نَعِمَ صَبَاحُكَ، وتقولُ: (نَعْمَسَ نَعْمَسَةً) إذا قالَ: نَعِمَ مَسَاؤُكَ، وهكذا.
وقُدَامَى العلماءِ يَرَوْنَ بابَ النحتِ مقصورًا على ما سُمِعَ منه عن العربِ، وهو مِن تَحْجِيرِ الواسعِ، فتَدَبَّرْ هذا، ولا تَكُنْ أَسِيرَ التقليدِ، وانْظُرِ القِسْمَ الأوَّلَ مِن كِتَابِنَا: (دُرُوسِ التصريفِ) (ص 22 طبعة ثانية) .
وقد قالَ ابنُ مالكٍ في (التسهيلِ) (ص 70 - ) : (وقد يُبْنَى من جُزْأَيِ المركَّبِ فَعْلَلٌ(يُرِيدُ اسمًا على مثالِ جَعْفَرٍ) بفاءِ كلٍّ منهما وعَيْنِه، فإنِ اعْتَلَّتْ عينُ الثاني كُمِّلَ البناءُ بلامِه أو بلامِ الأوَّلِ، ونُسِبَ إليه). اهـ. فظاهِرُ كلامِه هذا يَدُلُّ على أنه قياسٌ عِنْدَه.
ومِمَّنْ مَنَعَ القياسَ على هذا أبو حَيَّانَ حيثُ يقولُ: (وهذا الحكمُ لا يَطَّرِدُ، وإنما يقالُ مِنه ما قالَتْهُ العربُ) . اهـ. ونَرَى لكَ ألاَّ تَأْخُذَ بهذا الرأيِ.