الصفحة 152 من 811

44 -فأَقْبَلْتُ زَحْفًا عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ ... فثَوْبٌ لَبِسْتُ وثَوْبٌ أَجُرْ [1]

فقولُه: (ثوبٌ) مبتدأٌ، و (لَبِسْتُ) خبرُه، وكذلكَ (ثَوْبٌ أَجُرُّ) .

الحادي عَشَرَ: أنْ تكونَ دعاءً، نحوُ: {سَلاَمٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ} .

(1) هذا البيتُ مِن قصيدةٍ لامرِئِ القَيْسِ، أَثْبَتَهَا له أبو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ، والمُفَضَّلُ الضَّبِّيُّ، وغيرُهما، وأوَّلُ هذه القصيدةِ قولُه:

لا وَأَبِيكِ ابْنَةَ الْعَامِرِ ... يِّ لاَ يَدَّعِي الْقَوْمُ أَنِّي أَفِرْ

وزَعَمَ الأَصْمَعِيُّ ـ في روايتِه عن أبي عمرِو بنِ العلاءِ ـ أن القصيدةَ لرجلٍ مِن أولادِ النَّمِرِ بنِ قاسِطٍ، يقالُ له: رَبِيعَةُ بنُ جُشَمَ، وأَوَّلُها عِنْدَهُ:

أحارِ ابنَ عَمْرٍو كَأَنِّي خَمِرْ ... ويَعْدُو عَلَى الْمَرْءِ مَا يَأْتَمِرْ

ويُرْوَى صدرُ البيتِ الشاهدِ هكذا:

* فلَمَّا دَنَوْتُ تَسَدَّيْتُهَا *

اللغةُ: (تَسَدَّيْتُهَا) تَخَطَّيْتُ إليها، أو عَلَوْتُها، والباقي ظاهرُ المعنى، ويُرْوَى (فثوبٌ نَسِيتُ) .

الإعرابُ: (فأَقْبَلْتُ) الفاءُ عاطفةٌ، أَقْبَلْتُ: فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على فَتْحٍ مُقَدَّرٍ وفاعلٌ، (زَحفًا) يجوزُ أن يكونَ مصدرًا في تأويلِ اسمِ الفاعلِ، فيكونَ حالًا من التاءِ في (أَقْبَلْتُ) ، ويجوزُ بقاؤُه على مصدريَّتِهِ فهو مفعولٌ مطلَقٌ لفعلٍ محذوفٍ تقديرُه: أَزْحَفُ زَحْفًا، (على الرُّكْبَتَيْنِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِه: (زَحفًا) ، (فَثَوْبٌ) مبتدأٌ، (نَسِيتُ) أو (لَبِسْتُ) فعلٌ وفاعلٌ، والجملةُ في محلِّ رفعِ خبرٍ، والرابطُ ضميرٌ محذوفٌ، والتقديرُ: نَسِيتُه، أو لَبِسْتُهُ، (وثوبٌ) الواوُ عاطفةٌ، ثوبٌ: مبتدأٌ، (أَجُرْ) فعلٌ مضارِعٌ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وجوبًا تقديرُه أنا، والجملةُ في مَحَلِّ رفعِ خبرٍ، والرابِطُ ضميرٌ منصوبٌ محذوفٌ، والتقديرُ: أَجُرُّهُ، والجملةُ مِن المبتدأِ وخبرِه معطوفةٌ بالواوِ على الجملةِ السابقةِ.

الشاهدُ فيه: قولُه: (ثَوْبٌ) في الموضعيْنِ، حيثُ وَقَعَ كلٌّ مِنهما مبتدأً ـ معَ كونِهِ نَكِرَةً ـ لأنَّه قَصَدَ التنويعَ؛ إذْ جَعَلَ أثوابَه أنواعًا؛ فمِنها نوعٌ أَذْهَلَه حُبُّها فَنَسِيَه، ومِنها نوعٌ قَصَدَ أنْ يَجُرَّهُ على آثارِ سَيْرِهِما لِيُعْفِيَها حتى لا يَعْرِفَهُما أحدٌ، وهذا توجيهُ ما ذَهَبَ إليه العلاَّمَةُ الشارِحُ.

وفي البيتِ توجيهانِ آخرانِ، ذَكَرَهما ابنُ هِشامٍ وأَصْلُهما للأَعْلَمِ:

أحدُهما: أنَّ جُمْلَتَي (نَسِيتُ، وأَجُرْ) لَيْسَتَا خبريْنِ، بل هما نعتانِ للمبتدأيْنِ، وخبراهما محذوفانِ، والتقديرُ: فمِن أثوابي ثوبٌ مَنْسِيٌّ وثوبٌ مجرورٌ.

والتوجيهُ الثاني: أنَّ الجملتيْنِ خَبرانِ، ولكنْ هناكَ نعتانِ محذوفانِ، والتقديرُ: فثوبٌ لي نَسِيتُه، وثوبٌ لي أَجُرُّهُ، وعلى هذين التوجيهَيْنِ فالمسوِّغُ للابتداءِ بالنكرةِ كَوْنُها موصوفةً. وفي البيتِ روايةٌ أخرَى، وهي:

* فثوبًا نَسِيتُ وثوبًا أَجُرْ *

بالنصبِ فيهما، على أنَّ كُلاًّ منهما مفعولٌ للفعلِ الذي بعدَه، ولا شاهدَ في البيتِ على هذه الروايةِ، ويُرَجِّحُ هذه الروايةَ على روايةِ الرفعِ أنها لا تُحْوِجُ إلى تقديرِ محذوفٍ، وأنَّ حذفَ الضميرِ المنصوبِ العائدِ على المبتدأِ من جملةِ الخبرِ مما لا يُجِيزُه جماعةٌ مِن النحاةِ - مِنهم سِيبَوَيْهِ - إلاَّ لضرورةِ الشعرِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت