الصفحة 155 من 811

الحادي والعشرونَ: أنْ تَقَعَ بعدَ (لولا) ؛ كقولِهِ:

47 -لَوْلاَ اصْطِبَارٌ لأَوْدَى كُلُّ ذِي مِقَةٍ ... لَمَّا اسْتَقَلَّتْ مَطَايَاهُنَّ لِلظَّعَنِ [1]

الثاني والعشرونَ: أنْ تَقَعَ بعدَ فاءِ الجزاءِ؛ كقولِهِم: (إنْ ذَهَبَ عَيْرٌ فَعَيْرٌ فِي الرِّبَاطِ) [2] .

(1) لم يَنْسُبُوا هذا الشاهدَ إلى قائلٍ مُعَيَّنٍ.

اللغةُ: (أَوْدَى) فعلٌ لازمٌ معناه هَلَكَ، (مِقَةٍ) حُبٍّ، وفعلُه: وَمِقَهُ يَمِقُهُ مِقَةً ـ كوَعَدَهُ يَعِدُهُ عِدَةً ـ والتاءُ في مِقَةٍ عِوَضٌ عن فاءِ الكلمةِ ـ وهي الواوُ ـ كعِدَةٍ وزِنَةٍ ونحوِهما، (اسْتَقَلَّتْ) نَهَضَتْ وهَمَّتْ بالمَسيرِ، (الظَّعَنِ) الرحيلُ والسفرُ، وهو بفتحِ العينِ هنا.

المعنى: يقولُ: إنه صَبَرَ على سَفَرِ أحبابِه، وتَجَلَّدَ حِينَ اعْتَزَمُوا الرَّحِيلَ، ولولا ذلك الصَّبْرُ الذي أَبْدَاهُ وتَمَسَّكَ به لَظَهَرَ منه ما يَهْلِكُ بسببِه كلُّ مَن يُحِبُّه ويَعْطِفُ عليه.

الإعرابُ: (لولاَ) حرفٌ يَدُلُّ على امتناعِ الجوابِ؛ لوجودِ الشرطِ، (اصطبارٌ) مبتدأٌ، والخبرُ محذوفٌ وجوبًا تقديرُه: موجودٌ، وقولُه: (لأَوْدَى) اللامُ واقعةٌ في جوابِ لولا، وأَوْدَى: فعلٌ ماضٍ، (كُلُّ) فاعلُ أَوْدَى، وكلُّ مضافٌ و (ذي) مضافٌ إليه، وذِي مضافٌ و (مِقَةٍ) مضافٌ إليه، (لَمَّا) ظرفٌ بمعنَى حِينَ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ نصبٍ مُتَعَلِّقٌ بقولِه: أَوْدَى، (اسْتَقَلَّتْ) اسْتَقَلَّ: فعلٌ ماضٍ، والتاءُ للتأنيثِ، (مَطَايَاهُنَّ) مَطَايَا: فاعلُ اسْتَقَلَّ، ومطايا مضافٌ والضميرُ مضافٌ إليه، والجملةُ مِن اسْتَقَلَّ وفاعلِه في محَلِّ جرٍّ بإضافةِ لَمَّا إليها، (للظَّعَنِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ باسْتَقَلَّتْ.

الشاهدُ فيه: قولُه: (اصْطِبَارٌ) فإنَّه مبتدأٌ ـ معَ كونِه نكرةً ـ والمسوِّغُ لوقوعِه مبتدأً وقوعُه بعدَ (لولا) .

وإنما كانَ وقوعُ النكرةِ بعدَ (لولا) مسوِّغًا للابتداءِ بها؛ لأنَّ (لولا) تَسْتَدْعِي جوابًا يكونُ مُعَلَّقًا على جملةِ الشرطِ التي يَقَعُ المبتدأُ فيها نكرةً، فيكونُ ذلك سَبَبًا في تقليلِ شُيُوعِ هذه النكرةِ.

(2) هذا مِن أمثالِ العربِ، والعَيْرُ ـ بفتحٍ فسكونٍ ـ هو الحِمارُ، والرِّبَاطُ ـ بزِنَةِ كِتابٍ ـ ما تُشَدُّ به الدَّابَّةُ، ويقالُ: قطَعَ الظبيُ رِبَاطَه، ويُرِيدُونَ قَطَعَ حِبَالَتَهُ، يُضْرَبُ للرضا بالحاضرِ وعَدَمِ الأسفِ على الغائبِ، والاستشهادُ به في قولِهِ: (فعَيْرٌ) ؛ حيثُ وَقَعَ مبتدأً ـ معَ كونِه نكرةً ـ لِكونِه واقعًا بعدَ الفاءِ الواقعةِ في جوابِ الشرطِ.

وانْظُرْ هذا المَثَلَ في مَجْمَعِ الأمثالِ للمَيْدَانِيِّ (1/ 21 طبع بولاق رَقْم 82 في 1/ 25 بتحقيقنا) ، وانْظُرْه في (جَمْهَرَةِ الأمثالِ) لأبي هِلالٍ العَسْكَرِيِّ (1/ 81) بهامشِ مَجْمَعِ الأمثالِ طبع الخيرية)، ورَوَاهُ هناك: (إنْ هَلَكَ عَيْرٌ فَعَيْرٌ في الرِّبَاطِ) وقالَ بعدَ روايتِه: يُضْرَبُ مثلًا للشيءِ يُقْدَرُ على العِوَضِ مِنه فيُسْتَخَفُّ بفَقْدِهِ. ونحوُ هذا المَثَلِ في المعنَى قولُ كُثَيِّرِ عَزَّةَ:

هلْ وَصْلُ عَزَّةَ إِلاَّ وَصْلَ غَانِيَةٍ ... في وَصْلِ غَانِيَةٍ مِن وَصْلِهَا بَدَلُ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت