الصفحة 156 من 811

الثالثُ والعشرونَ: أنْ تَدْخُلَ على النكرةِ لامُ الابتداءِ، نحوُ: (لَرجلٌ قائمٌ) .

الرابعُ والعشرون: أنْ تكونَ بعدَ كمِ الخَبَرِيَّةِ، نحوُ قولِهِ:

48 -كَمْ عَمَّةٌ لَكَ يا جَرِيرُ وخَالَةٌ ... فَدْعَاءُ قَدْ حَلَبَتْ عَلَيَّ عِشَارِي [1]

(1) البيتُ للفَرَزْدَقِ مِن كَلِمَةٍ يَهْجُو فيها جَرِيرًا، وقَبْلَه:

كمْ مِن أبٍ لِي يا جَرِيرُ كَأَنَّهُ ... قَمَرُ المَجَرَّةِ أو سِرَاجُ نَهَارِ

وَرِثَ المَكَارِمَ كَابِرًا عنْ كَابِرٍ ... ضَخْمُ الدَّسِيعَةِ كُلَّ يَوْمِ فَخَارِ

اللغةُ: (المَجَرَّةِ) بابُ السماءِ، وقيلَ: هي الطريقُ التي تَسِيرُ منها الكواكِبُ، (الدَّسِيعَةِ) الجَفْنَةُ، أو المائدةُ الكبيرةُ، وضَخَامَتُها كِنايةٌ عن الكرمِ؛ لأنَّ ذلك يدلُّ على كثرةِ الأَكَلَةِ الذين يلتفُّون حولهَا (فَدْعَاءُ) هي المرأةُ التي اعْوَجَّتْ إِصْبَعُها مِن كثرةِ حَلْبِها، ويقالُ: الفَدعاءُ هي التي أصابَ رِجْلَها الفَدَعُ مِن كثرةِ مَشْيِها وراءَ الإبلِ، والفَدَعُ: زَيْغٌ في القَدَمِ بينَها وبينَ الساقِ، وقالَ ابنُ فارِسٍ: الفَدَعُ: اعْوِجَاجٌ في المفاصِلِ كأنها قدْ زَالَتْ عن أماكنِها، (عِشَارِي) العِشَارُ: جمعُ عُشَرَاءَ ـ بضمِّ العينِ المهملةِ وفتحِ الشينِ ـ وهي الناقةُ التي أَتَى عليها من وَضْعِها عَشَرَةُ أَشْهُرٍ، وفي التنزيلِ الكريمِ: {وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ} .

الإعرابُ: (كَمْ) يجوزُ أنْ تكونَ استفهاميَّةً، وأنْ تكونَ خبريَّةً، (عَمَّةٌ) يجوزُ فيها وفي (خَالَةٌ) المعطوفةِ عليها الحركاتُ الثلاثُ:

أمَّا الجرُّ فعلى أن (كمْ) خبريَّةٌ في محَلِّ رفعِ مبتدأٍ، وخبرُه جملةُ (حَلَبَتْ) ، وعَمَّةٍ: تمييزٌ لها، وتمييزُ كمِ الخبريَّةِ مجرورٌ كما هو معلومٌ، وخالةٍ: معطوفٌ عليها.

وأما النصبُ فعلى أن (كمِ) استفهاميَّةٌ في محَلِّ رفعِ مبتدأٍ، وخبرُه جملةُ (حَلَبَتْ) أيضًًا، وعَمَّةً: تمييزٌ لها، وتمييزُ كمِ الاستفهاميَّةِ منصوبٌ كما هو معلومٌ، وخالةً معطوفٌ عليها.

وأما الرفعُ فعلى أنَّ كمْ خبريَّةٌ أو استفهاميَّةٌ في محلِّ نصبِ ظرفٍ مُتَعَلِّقٍ بحَلَبَتْ، أو مفعولٌ مطلَقٌ عامِلُه (حَلَبَ) الآتِي، وعلى هذين يكونُ قولُه: (عَمَّةٌ) مبتدأً، وقولُه: (لَكَ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ نعتٍ له، وجملةُ (قَدْ حَلَبَتْ) في محَلِّ رفعِ خَبَرِه، وتمييزُ (كمْ) على هذا الوجهِ محذوفٌ، وهي ـ على ما عَرَفْتَ ـ يجوزُ أنْ تكونَ خبريَّةً فيُقَدَّرَ تمييزُها مجرورًا، ويجوزُ أنْ تكونَ استفهاميَّةً فيُقَدَّرَ تمييزُها منصوبًا، و (فَدْعَاءُ) صِفَةٌ لخالةٍ، وقد حُذِفَ صفةٌ لعمَّةٌ مماثِلَةٌ لها كما حُذِفَ صفةٌ لخالةٌ مماثلةٌ لصفةِ عَمَّةٌ، وأصلُ الكلامِ قبلَ الحذفيْنِ: (كم عَمَّةٌ لكَ فَدْعَاءُ، وكم خالةٌ لكَ فَدْعَاءُ) ، فحَذَفَ من الأوَّلِ كَلِمَةَ فَدْعَاءَ وأَثْبَتَهَا في الثاني، وحَذَفَ من الثاني كَلِمَةَ لكَ وأَثْبَتَهَا في الأوَّلِ، فحَذَفَ مِن كلِّ مَثَلٍ الذي أَثْبَتَهُ في الآخَرِ، وهذا ضَرْبٌ من البَدِيعِ يُسَمِّيهِ أهلُ البلاغةِ (الاحْتِبَاكَ) .

الشاهدُ فيه: قولُه: (عَمَّةٌ) على روايةِ الرفعِ؛ حيثُ وَقَعَتْ مبتدأً، معَ كونِها نكرةً؛ لوقوعِها بعد كمِ الخبريَّةِ، كذا قالَ الشارِحُ العلاَّمَةُ، وأنتَ خَبيرٌ بعدَ ما ذَكَرْنَاهُ لكَ في الإعرابِ أنَّ (عَمَّةٌ) على أيِّ الوجوهِ موصوفةٌ بمُتَعَلِّقِ الجارِّ والمجرورِ، وهو قولُه: (لكَ) ، وبِفَدْعَاءُ المحذوفُ الذي يُرْشِدُ إليه وصفُ (خالةٌ) به، وعلى هذا لا يكونُ المسوِّغُ في هذا البيتِ وقوعَ النكرةِ بعدَ (كم) الخبريَّةِ، وإنما هو وصفُ النكرةِ، وبَحَثْتُ عن شاهدٍ فيه الابتداءُ بالنكرةِ بعدَ كمِ الخبريَّةِ، ولا مُسَوِّغَ فيه سِوَى ذلك، فلم أُوَفَّقْ للعُثُورِ عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت