فهرس الكتاب
وقد أَنْهَى بعضُ المتأخِّرينَ ذلكَ إلى نَيِّفٍ وثلاثينَ موضعًا، وما لم أَذْكُرْه منها أَسْقَطْتُه لرجوعِه إلى ما ذَكَرْتُه، أو لأنَّه ليسَ بصحيحٍ.
والأصلُ في الأخبارِ أنْ تُؤَخَّرَا ... وَجَوَّزُوا التقديمَ إِذْ لاَ ضَرَرَا [1]
الأصلُ تقديمُ المبتدأِ وتأخيرُ الخبرِ؛ وذلك لأنَّ الخبرَ وصفٌ في المعنَى للمبتدأِ، فاسْتَحَقَّ التأخيرَ كالوصفِ، ويَجُوزُ تقديمُه إذا لم يَحْصُلْ بذلكَ لَبْسٌ أو نحوُه على ما سَيُبَيَّنُ، فتقولُ: قائمٌ زيدٌ، وقائمٌ أبوه زيدٌ، وأبوه منطلِقٌ زيدٌ، وفي الدارِ زيدٌ، وعندَكَ عمرٌو.
وقدْ وَقَعَ في كلامِ بعضِهم أنَّ مذهَبَ الكُوفِيِّينَ مَنْعُ تقدُّمِ الخبرِ الجائزِ التأخيرِ عندَ البصريينَ، وفيه نَظَرٌ [2] ، فإنَّ بَعْضَهُم نَقَلَ الإجماعَ من البصريينَ والكُوفِيِّينَ على جَوازِ (في دارِه زيدٌ) ، فنَقْلُ المنعُ عن الكُوفِيِّينَ مطلقًا ليسَ بصحيحٍ، هكذا قالَ
(1) (والأصلُ) مبتدأٌ، (في الأخبارِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ به، (أنْ) مَصْدَرِيَّةٌ، (تُؤَخَّرَا) فعلٌ مضارعٌ مبنيٌّ للمجهولِ منصوبٌ بأنْ، ونائبُ الفاعلِ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جوازًا تقديرُه هي يعودُ إلى الأخبارِ، والألفُ للإطلاقِ، و (أنْ) وما دَخَلَتْ عليه في تأويلِ مصدرٍ خبرُ المبتدأِ، (وَجَوَّزُوا) فعلٌ وفاعلٌ، (التقديمَ) مفعولٌ به لجَوَّزُوا، (إِذْ) ظرفُ زمانٍ مُتَعَلِّقٌ بجَوَّزُوا، (لا) نافيةٌ للجِنْسِ، (ضَرَرَا) اسمُ لا، مبنيٌّ على الفتحِ في محَلِّ نصبٍ، والألفُ للإطلاقِ، وخبرُ لا محذوفٌ؛ أي: لا ضَرَرَ مَوْجُودٌ، والجملةُ مِن لا واسمِها وخبرِها في محَلِّ جرٍّ بإضافةِ إذ إليها.
(2) في كلامِ الشارحِ في هذا الموضوعِ قَلَقٌ ورَكَاكَةٌ لا تَكَادُ تَتَبَيَّنُ مِنهما غَرَضَه واضحًا؛ فهو أوَّلًا يَنْقُلُ عن بعضِهم أنه ذَكَرَ أنَّ الكُوفِيِّينَ لم يُجَوِّزُوا تقديمَ الخبرِ على المبتدأِ.
ثم يَعْتَرِضُ على هذا النقلِ بقولِهِ: (وفيه نَظَرٌ) ، ويَنْقُلُ عن بعضٍ آخرَ أنَّ الكُوفِيِّينَ يُجَوِّزُونَ عِبارةً ظَاهِرُ أَمْرِها أنها من بابِ تقديمِ الخبرِ، فيكونُ كلامُ الناقلِ الأوَّلِ على إطلاقِه باطلًا، وكانَ يَنْبَغِي ـ على ذلك ـ تَخْصِيصُه بما عَدَا هذه الصورةِ، ثم يَعْتَرِضُ على النقلِ الثاني بقولِه: (وفيه بحثٌ) .
وظاهرُ المعنِيِّ من ذلكَ أنَّ هذه العبارةَ التي ظَنَّهَا ناقلُ المثالِ الثاني من بابِ تقديمِ الخبرِ لَيْسَتْ مِنه على وجهِ الجزْمِ والقَطْعِ؛ لأنَّه يجوزُ فيها أنْ يكونَ (زيدٌ) من قولِه: (في دارِه زيدٌ) فاعلًا بالجارِّ والمجرورِ، ولو لم يَعْتَمِدْ على نفيٍ أو استفهامٍ؛ لأنَّ الاعتمادَ ليسَ شرطًا عندَ الكُوفِيِّينَ، فيكونُ تجويزُ الكُوفِيِّينَ هذه العبارةَ ليسَ دليلًا على أنهم يُجَوِّزُونَ تقديمَ الخبرِ في صورةٍ مِن الصُّوَرِ، فقدْ رَجَعَ الشارِحُ على أوَّلِ كلامِهِ بالنَّقْضِ، هذا من حيثُ تَعْبِيرُه.
فأمَّا مِن حيثُ الموضوعُ في ذاتِهِ، فقد ذَكَرَ أبو البَرَكَاتِ بنُ الأنباريِّ في كتابِه (الإنصافِ في مسائلِ الخِلاَفِ) (ص 46 طبعة ثالثة بتحقيقِنا) أنَّ علماءَ الكوفةِ يَرَوْنَ أنه لا يَجُوزُ أنْ يَتَقَدَّمَ الخبرُ على المبتدأِ، مفردًا كانَ أو جملةً، وعَقَدَ في ذلك مسألةً خاصَّةً، وعلى هذا لا يَجُوزُ أنْ يكونَ قولُكَ: (في الدارِ زيدٌ) ـ إنْ صَحَّ عندَهم هذا التعبيرُ ـ من بابِ تقديمِ الخبرِ على المبتدأِ عندَهم.
فإنْ قلتَ: فهذا الخبرُ جارٌّ ومجرورٌ، والذي نَقَلْتَهُ عنهم عَدَمُ تجويزِ التقدُّمِ إذا كانَ الخبرُ مُفْردًا أو جُملةً.
فالجوابُ: أنَّ الجارَّ والمجرورَ ـ عندَ الجمهورِ خِلافًا لابنِ السَّرَّاجِ الذي جَعَلَه قِسمًا برأسِهِ ـ لا يَخْلُو حالُه من أنْ يكونَ في تقديرِ المفردِ، أو في تقديرِ الجملةِ، وأيضًًا فقد عَلَّلُوا عدمَ تجويزِ التقدُّمِ بأنَّ الخبرَ اشْتَمَلَ على ضميرٍ يعودُ على المبتدأِ، فلو قَدَّمْنَاهُ لَتَقَدَّمَ الضميرُ على مَرْجِعِه، وذلك لا يَجُوزُ عندَهم، وهذه العِلَّةُ نفسُها موجودةٌ في الجارِّ والمجرورِ، سواءٌ أَقَدَّرْتَ مُتَعَلِّقَه اسمًا مُشْتَقًّا أم قَدَّرْتَهُ فِعْلًا.