فهرس الكتاب
بعضُهم، وفيه بَحْثٌ، نَعَمْ مَنَعَ الكُوفِيُّونَ التقديمَ في مثلِ: (زيدٌ قائمٌ، وزيدٌ قامَ أبوه، وزيدٌ أبوه منطلِقٌ) ، والحقُّ الجوازُ؛ إذ لا مانِعَ من ذلك، وإليه أشارَ بقولِهِ: (وَجَوَّزُوا التقديمَ إذْ لاَ ضَرَرَا) ، فتقولُ: (قائمٌ زيدٌ) ، ومنه قولُهم: (مَشْنُوءٌ مَنْ يَشْنَؤُكَ) ، فمَن مبتدأٌ ومَشْنُوءٌ خبرٌ مقدَّمٌ، و (قامَ أبوه زيدٌ) ، ومنه قولُه:
49 -قدْ ثَكِلَتْ أُمُّهُ مَنْ كُنْتَ وَاحِدَهُ ... وباتَ مُنْتَشِبًا فِي بُرْثُنِ الأَسَدِ [1]
فـ (مَن كُنْتَ واحِدَهُ) مبتدأٌ مؤخَّرٌ، و (قد ثَكِلَتْ أُمُّهُ) خبرٌ مقدَّمٌ، و (أبوه منطلِقٌ زيدٌ) ، ومنه قولُه:
50 -إلى مَلِكٍ مَا أُمُّهُ مِن مُحَارِبٍ ... أَبُوهُ ولاَ كَانَتْ كُلَيْبٌ تُصَاهِرُهْ [2]
(1) البيتُ لشاعرِ سَيِّدِنَا رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَسَّانَ بنِ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيِّ:
اللغة: (ثَكِلَتْ أُمُّهُ) هو مِن الثُّكْلِ، وهو فَقْدُ المرأةِ وَلَدَها، (مُنْتَشِبًا) عالِقًا داخِلًا، (بُرْثُنِ الأسدِ) مِخْلَبُه، وجَمْعُهُ بَرَاثِنُ، مثلُ بُرْقُعٍ وبَرَاقِعَ، والبَرَاثِنُ للسباعِ بمنزلةِ الأصابعِ للإنسانِ، وقالَ ابنُ الأعرابِيِّ: البُرْثُنُ: الكَفُّ بكمالِهَا معَ الأصابِعِ.
الإعرابُ: (قد) حرفُ تحقيقٍ، (ثَكِلَتْ) ، ثَكِلَ: فعلٌ ماضٍ، والتاءُ تاءُ التأنيثِ، (أُمُّهُ) أمُّ: فاعلُ ثَكِلَتْ، وأمُّ مضافٌ والضميرُ مضافٌ إليه، والجملةُ من الفعلِ وفاعلِهِ في محَلِّ رفعِ خبرٍ مقدَّمٍ، (مَن) اسمٌ موصولٌ مبتدأٌ مؤخَّرٌ، (كُنْتَ) كانَ: فعلٌ ماضٍ ناقصٌ، والتاءُ ضميرُ المخاطَبِ اسْمُهُ مبنيٌّ على الفتحِ في محَلِّ رفعٍ، (وَاحِدَهُ) واحدَ: خبرُ كانَ، وواحدَ مضافٌ، والضميرُ مضافٌ إليه، والجملةُ مِن (كانَ) واسْمِهَا وخَبَرِها لا محَلَّ لها؛ صِلَةُ الموصولِ الذي هو مَن، (وَبَاتَ) الواوُ عاطفةٌ، باتَ: فعلٌ ماضٍ ناقِصٌ، واسمُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تقديرُه هو يعودُ إلى مَن، (مُنْتَشِبًا) خبرُ باتَ، (في بُرْثُنِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمُنْتَشِبٍ، وبُرْثُنِ مضافٌ و (الأسدِ) مضافٌ إليه.
الشاهدُ فيه: قولُه: (قَدْ ثَكِلَتْ أُمُّهُ مَنْ كُنْتَ وَاحِدَهُ) حيثُ قَدَّمَ الخبرَ، وهو جملةُ (ثَكِلَتْ أُمُّهُ) ، على المبتدأِ، وهو (مَنْ كُنْتَ وَاحِدَهُ) ، وفي جملةِ الخبرِ المتقدِّمِ ضميرٌ يعودُ على المبتدأِ المتأخِّرِ، وسَهَّلَ ذلكَ أنَّ المبتدأَ ـ وإنْ وَقَعَ متأخِّرًا ـ بمنزلةِ المتقدِّمِ في اللفظِ؛ فإنَّ رُتْبَتَهُ التقدُّمُ على الخبرِ؛ كما نُصَّ عليه في بيتِ الناظمِ وفي مَطْلَعِ شرحِ المؤلِّفِ لهذا الموضوعِ.
(2) هذا البيتُ مِن كَلِمَةٍ للفَرَزْدَقِ يَمْدَحُ بها الوَلِيدَ بنَ عبدِ المَلِكِ بنِ مَرْوَانَ.
اللغةُ: (مُحَارِبٍ) وَرَدَ في عِدَّةِ قَبَائِلَ:
أحدُها: مِن قُرَيْشٍ، وهو مُحَارِبُ بنُ فِهْرِ بنِ مَالِكِ بنِ النَّضْرِ.
والثاني: مِن قَيْسِ عَيْلاَنَ، وهو مُحَارِبُ بنُ خَصَفَةَ بنِ قَيْسِ عَيْلاَنَ.
والثالثُ: مِن عبدِ القَيْسِ، وهو مُحَارِبُ بنُ عَمْرِو بنِ وَدِيعَةَ بنِ لُكَيْزِ بنِ أَفْصَى بنِ عَبْدِ الْقَيْسِ.
(كُلَيْبٌ) ـ بزِنَةِ التصغيرِ ـ اسمٌ وَرَدَ في عِدَّةِ قَبَائِلَ أيضًًا:
أَحَدُها: في خُزَاعَةَ، وهو كُلَيْبُ بنُ حُبْشِيَّةَ بنِ سَلُولٍ.
والثاني: في تَغْلِبَ بنِ وَائَلٍ، وهو كُلَيْبُ بنُ رَبِيعَةَ بنِ الحَارِثِ بنِ زُهَيْرٍ.
والثالثُ: في تَمِيمٍ، وهو كُلَيْبُ بنُ يَرْبُوعِ بنِ حَنْظَلَةَ بنِ مَالِكٍ.
والرابِعُ: في النَّخَعِ، وهو كُلَيْبُ بنُ رَبِيعَةَ بنِ خُزَيْمَةَ بنِ مَعَدِّ بنِ مَالِكِ بنِ النَّخَعِ.
والخامِسُ: في هَوَازِنَ، وهو كُلَيْبُ بنُ رَبِيعَةَ بنِ صَعْصَعَةَ.
الإعرابُ: (إلى مَلِكٍ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِه: (أَسُوقُ مَطِيَّتِي) في بيتٍ سابقٍ على بيتِ الشاهدِ، وهو قولُه:
رَأَوْنِي فَنَادَوْنِي، أَسُوقُ مَطِيَّتِي ... بِأَصْوَاتِ هَلاَّلٍ صِعَابٍ جَرَائِرُهْ
(ما) نافيةٌ مُهْمَلَةٌ، أو تَعْمَلُ عَمَلَ ليسَ، (أُمُّهُ) أمُّس: مبتدأٌ أو اسمُ ما، وأُمُّ مضافٌ والضميرُ مضافٌ إليه، (مِن مُحَارِبٍ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرُ المبتدأِ أو خَبَرُ (ما) ، وجملةُ (ما) ومَعْمُولَيْهَا في محَلِّ رَفْعِ خبرٍ مقدَّمٍ، (أَبُوهُ) أبو: مبتدأٌ مؤخَّرٌ، وأبو مضافٌ والضميرُ مضافٌ إليه، وجملةُ المبتدأِ وخبرِه في محَلِّ جرِّ صفةٍ لِمَلِكٍ، (ولا) الواوُ عاطفةٌ، لا نافيةٌ، (كَانَتْ) كانَ: فِعْلٌ ماضٍ ناقصٌ، والتاءُ تاءُ التأنيثِ، (كُلَيْبٌ) اسمُ كانَ، (تُصَاهِرُهْ) تُصَاهِرُ: فعلٌ مضارِعٌ مرفوعٌ بالضمَّةِ الظاهرةِ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تقديرُه هي يعودُ إلى كُلَيْبٌ، والضميرُ البارِزُ مفعولٌ به، والجملةُ مِن الفعلِ والفاعلِ في محَلِّ نصبِ خبرِ (كانَ) ، وجملةُ كانَ واسمِها وخبرِها في محَلِّ جرِّ معطوفٍ على جملةِ الصفةِ.
الشاهدُ فيه: في هذا البيتِ شاهدٌ للنحاةِ وشاهدٌ لعلماءِ البلاغةِ:
فأمَّا النحاةُ فيَسْتَشْهِدُونَ به على تقديمِ الخبرِ؛ وهو جملةُ (مَا أُمُّهُ مِنْ مُحَارِبٍ) ، على المبتدأِ؛ وهو قولُه: (أبوه) ، والتقديرُ: إلى مَلِكٍ أَبُوهُ لَيْسَتْ أُمُّهُ مِن مُحَارِبٍ.
وأمَّا عُلَمَاءُ البلاغةِ فيَذْكُرُونَه شَاهِدًا على التعقيدِ اللَّفْظِيِّ الذي سَبَبُه التقديمُ والتأخيرُ، ومثلُه في ذلكَ قولُ الفرزدقِ أيضًًا يَمْدَحُ إبراهيمَ بنَ هِشامِ بنِ إسماعيلَ المَخْزُومِيَّ، وهو خالُ هِشَامِ بنِ عَبْدِ المَلِكِ بنِ مَرْوَانَ:
وَمَا مِثْلُهُ فِي النَّاسِ إِلاَّ مُمَلَّكًا ... أبو أُمِّهِ حَيٌّ أَبُوهُ يُقَارِبُهْ
التقديرُ: وما مثلُه في الناسِ حيٌّ يُقَارِبُه إلاَّ مُمَلَّكًا أبو أُمِّه أبوه.