فهرس الكتاب
المحذوفُ فيه خبرًا [1] ؛ لجوازِ كونِه مبتدأً، والتقديرُ: (قَسَمِي يَمِينُ اللهِ) ، بخلافِ (لَعَمْرُكَ) ؛ فإنَّ المحذوفَ معَه يَتَعَيَّنُ أنْ يكونَ خبرًا؛ لأنَّ لامَ الابتداءِ قد دَخَلَتْ عليه، وحَقُّها الدخولُ على المبتدأِ.
فإنْ لم يَكُنِ المبتدأُ نصًّا في اليمينِ لم يَجِبْ حذفُ الخبرِ، نحوُ: (عَهْدُ اللهِ لأَفْعَلَنَّ) ، التقديرُ: (عَهْدُ اللهِ عَلَيَّ) ، فعهدُ اللهِ مبتدأٌ، وعليَّ خبرُه، ولكَ إثباتُه وحذفُه.
المَوْضِعُ الثالثُ: أنْ يَقَعَ بعدَ المبتدأِ واوٌ هي نصٌّ في المَعِيَّةِ، نحوُ: (كلُّ رجلٍ وضَيْعَتُه) ، فكلُّ مبتدأٌ، وقولُه: (وضَيْعَتُهُ) معطوفٌ على كلُّ، والخبرُ محذوفٌ، والتقديرُ: (كلُّ رجلٍ وضَيْعَتُه مُقْتَرِنَانِ) ، ويُقَدَّرُ الخبرُ بعدَ واوِ المَعِيَّةِ، وقِيلَ: لا يَحْتَاجُ إلى تقديرِ الخبرِ؛ لأنَّ معنى كلُّ رجلٍ وضَيْعَتُه: كلُّ رجلٍ معَ ضَيْعَتِه، وهذا كلامٌ تامٌّ لا يَحْتَاجُ إلى تقديرِ خبرٍ، واخْتَارَ هذا المذهَبَ ابنُ عُصْفُورٍ في (شرحِ الإيضاحِ) .
فإنْ لم تَكُنِ الواوُ نَصًّا في المَعِيَّةِ لم يُحْذَفِ الخبرُ وُجُوبًا [2] ، نحوُ: (زيدٌ وعمرٌو قَائِمَانِ) .
المَوْضِعُ الرابِعُ: أنْ يكونَ المبتدأُ مصدرًا وبعدَه حالٌ سَدَّتْ مَسَدَّ الخبرِ، وهي لا تَصْلُحُ أنْ تكونَ خبرًا، فيُحْذَفُ الخبرُ وُجُوبًا لِسَدِّ الحالِ مَسَدَّهُ، وذلكَ نحوُ: (ضَرْبِي العبدَ مُسِيئًا) ، فضربي مبتدأٌ، والعبدَ معمولٌ له، ومُسيئًا حالٌ سَدَّتْ مَسَدَّ الخبرِ، والخبرُ محذوفٌ وجوبًا، والتقديرُ: (ضربي العبدَ إذا كانَ مُسيئًا) إذا أَرَدْتَ الاستقبالَ، وإنْ أَرَدْتَ المُضِيَّ فالتقديرُ: (ضَرْبِي العبدَ إذْ كانَ مُسِيئًا) ، فمُسِيئًا حالٌ مِن الضميرِ المُسْتَتِرِ في (كانَ) المُفَسَّرِ بالعبدِ، و (إذا كانَ) أو (إذ كانَ) ظرفُ زمانٍ نائبٌ عن الخبرِ.
ونَبَّهَ المصنِّفُ بقولِهِ: (وقَبلَ حَالٍ) على أنَّ الخبرَ المحذوفَ مُقَدَّرٌ قبلَ الحالِ التي سَدَّتْ مَسَدَّ الخبرِ، كما تَقَدَّمَ تقريرُه.
واحْتَرَزَ بقولِهِ: (لا يكونُ خَبَرَا) عن الحالِ التي تَصْلُحُ أنْ تكونَ خبرًا عن المبتدأِ المذكورِ، نحوُ ما حَكَى الأَخْفَشُ رَحِمَه اللهُ مِن قولِهم: (زيدٌ قائمًا) فزيدٌ مبتدأٌ والخبرُ محذوفٌ والتقديرُ (ثَبَتَ قائمًا) ، وهذه الحالُ تَصْلُحُ أنْ تكونَ خبرًا، فتقولُ: (زيدٌ قائمٌ) ، فلا يكونُ الخبرُ واجبَ الحذفِ، بخلافِ (ضربي العبدَ مُسيئًا) ؛ فإنَّ الحالَ فيه لا تَصْلُحُ أنْ تكونَ خبرًا عن المبتدأِ الذي قبلَها، فلا تقولُ: (ضَرْبِي العبدَ مُسِيءٌ) ؛ لأنَّ الضربَ لا يُوصَفُ بأنه مُسيءٌ، والمضافُ إلى هذا المصدرِ حُكْمُه كحُكْمِ المصدرِ، نحوُ: (أَتَمُّ تَبْيِينِيَ الحَقَّ مَنُوطًا بالحِكَمِ) ، فأتَمُّ مبتدأٌ، وتَبْيِينِي مضافٌ إليه، والحقَّ مفعولٌ لِتَبْيِينِي، ومَنُوطًا حالٌ سَدَّتْ مَسَدَّ خبرِ أَتَمُّ، والتقديرُ: (أَتَمُّ تَبْيِينِي الحقَّ إذا كانَ أو إذ كانَ مَنوطًا بالحِكَمِ) .
ولم يَذْكُرِ المصنِّفُ المواضِعَ التي يُحْذَفُ فيها المبتدأُ وُجوبًا، وقد عَدَّهَا في غيرِ هذا الكتابِ أربعةً [3] :
(1) إنْ كانَ مِن غَرَضِ الشارِحِ الاعتراضُ على الذين ذَكَرُوا هذا المثالَ لحَذْفِ الخبرِ وُجُوبًا لكونِ المبتدأِ نَصًّا في اليمينِ - فلا محَلَّ لاعتراضِه عليهم بأنَّ ذلك يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ المحذوفُ هو المبتدأَ؛ وذلك من وجهيْنِ:
أَوَّلُهُما: أنَّ المثالَ يَكْفِي فيه صِحَّةُ الاحتمالِ الذي جِيءَ به من أَجْلِهِ، ولم يَقُلْ أحدٌ: إنه يَجِبُ أنْ يَتَعَيَّنَ فيه الوجهُ الذي جِيءَ به له؛ فإنَّ ذلكَ خاصٌّ بالدليلِ، فإنَّ الدليلَ هو الذي يَجِبُ فيه ألاَّ يَحْتَمِلَ وجهًا آخَرَ، وشَتَّانَ ما بينَ المثالِ والدليلِ.
وثانيهما: أنَّ الغَرَضَ مِن كَلامِهِم أنَّا إنْ جَعَلْنَا هذا المذكورَ مبتدأً كانَ خبرُه محذوفًا وُجُوبًا، أمَّا حَذْفُه فلكونِ ذلكَ المبتدأِ نَصًّا في اليَمِينِ، وأمَّا الوجوبُ فلأنَّ جوابَ اليَمِينِ عِوَضٌ عنه، ولا يُجْمَعُ بينَ العِوَضِ والمُعَوَّضِ منه.
(2) بل إنْ دَلَّ عليه دليلٌ جازَ حَذْفُه، وإلاَّ وَجَبَ ذِكْرُه.
(3) بقي عليه مَوْضِعَانِ آخرانِ ممَّا يَجِبُ فيه حذفُ المبتدأِ:
الأَوَّلُ: مبتدأُ الاسمِ المرفوعِ بعدَ (لا سيَّما) ، سواءٌ كانَ هذا الاسمُ المرفوعُ بعدَ ها نَكِرَةً؛ كما في قولِ امرِئِ القَيْسِ ابنِ حُجْرٍ الكِنْدِيِّ الذي أَنْشَدْنَاهُ في مباحثِ العائدِ في بابِ الموصولِ (ص 166) ، وهو:
أَلاَ رُبَّ يَوْمٍ صَالِحٍ لَكَ مِنْهُمَا ... ولا سِيَّمَا يَوْمٌ بِدَارَةِ جُلْجُلِ
أم كانَ مَعْرِفَةً؛ كما في قَوْلِكَ: أُحِبُّ النَّابِهِينَ؛ لا سِيَّمَا عَلِيٌّ، فإنَّ هذا الاسمَ المرفوعَ خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ وُجوبًا، والتقديرُ: ولا مِثْلُ الذي هو يومٌ بدَارَةِ جُلْجُلٍ، ولا مثلُ الذي هو عليٌّ، وليسَ يَخْفَى عليكَ أنَّ هذا إنما يَجْرِي على تقديرِ رفعِ الاسمِ بعدَ (لا سِيَّما) ، فأمَّا على جَرِّهِ أو نَصْبِه فلا.
الثاني: بعدَ المصدرِ النائبِ عن فِعْلِه الذي بُيِّنَ فاعلُهُ أو مفعولُهُ بحرفِ جرٍّ، فمثالُ ما بيَّنَ حرفُ الجرِّ فاعلَ المصدرِ قولُكَ: سُحْقًا لَكَ، وتَعْسًا لكَ، وبُؤْسًا لكَ، التقديرُ: سُحِقْتَ وتَعِسْتَ وبَؤُسْتَ، هذا الدعاءُ لكَ، فلكَ: جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرٍ لمبتدأٍ محذوفٍ وُجُوبًا، ولم يُجْعَلْ هذا الجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقًا بالمصدرِ؛ لأنَّ التعدِّيَ باللامِ إنما يكونُ إلى المفعولِ، لا إلى الفاعلِ، والْتَزَمُوا حذفَ المبتدأِ لِيَتَّصِلَ الفاعلُ بفعلِه.
ومثالُ ما بيَّنَ حرفُ الجرِّ المفعولَ قولُكَ: سَقْيًا لكَ، ورَعْيًا لكَ، والتقديرُ: اسْقِ اللَّهُمَّ سَقْيًا، ورَاعِ اللهمَّ رَعْيًا، هذا الدعاءُ لكَ يا زيدُ، مَثلًا، فلكَ: جارٌّ ومجرورٌ، مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرِ مبتدأٍ محذوفٍ وجوبًا، ولم يُجْعَلِ الجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقًا بالمصدرِ في هذا؛ لئلاَّ يَلْزَمَه عليه وجودُ خِطَابَيْنِ لاثنيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ في جملةٍ واحدةٍ؛ ولهذا لو كانَ المصدرُ نائبًا عن فعلٍ غيرِ الأمرِ، أو كانَتِ اللامُ جارَّةً لغيرِ ضميرِ المخاطَبِ، نحوُ: (شُكرًا لكَ) : أي: شَكَرْتُ لكَ شُكْرًا، ونحوُ: (سَقيًا لِزَيْدٍ) ؛ أي: اسْقِ اللَّهُمَّ زَيدًا ـ لم يَمْتَنِعْ جَعْلُ الجارِّ والمجرورِ مُتَعَلِّقًا بالمصدرِ، ويَصِيرُ الكلامُ جملةً واحدةً حينَئذٍ، والْتَزَمُوا حذفَ المبتدأِ في هذا الموضِعِ أيضًًا لِيَتَّصِلَ العاملُ بمعمولِهِ.