الصفحة 196 من 811

وأكثرُ ما تُزَادُ بلفظِ الماضي، وقد شَذَّتْ زيادَتُها بلفظِ المضارِعِ في قولِ أُمِّ عَقِيلِ بنِ أبي طَالِبٍ:

71 -أنتَ تكونُ ماجدٌ نَبِيلُ ... إذا تَهُبُّ شَمْأَلٌ بَلِيلُ [1] ويَحْذِفُونَهَا ويُبْقُونَ الخبرْ ... وبعدَ إنْ وَلَوْ كَثيرًا ذَا اشْتَهَرْ [2]

(1) هذا البيتُ ـ كما قالَ الشارِحُ ـ لأُمِّ عَقِيلِ بنِ أبي طالِبٍ، وهي فاطمةُ بنتُ أَسَدِ بنِ هَاشِمِ بنِ عبدِ مَنَافٍ، وهي زَوْجُ أبي طالبِ بنِ عبدِ المطَّلبِ عَمِّ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبي أميرِ المؤمنينَ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، تقولُه وهي تُرَقِّصُ ابنَها عَقِيلًا، ويُرْوَى بيتُ الشاهدِ معَ ما قبلِه هكذا:

إنَّ عَقِيلًا كاسْمِهِ عَقِيلُ ... وبِيَبِي المُلَفَّفُ المحمولُ

أنتَ تَكُونُ السَّيِّدُ النَّبِيُلُ ... إذا تَهُبُّ شَمْأَلٌ بَلِيلُ

يُعْطِي رِجَالَ الحيِّ أو يُنِيلُ

اللغةُ: (ماجدٌ) كريمٌ، (نَبِيلٌ) فاضلٌ شريفٌ، (تَهُبُّ) مضارعُ هَبَّتِ الريحُ هُبُوبًاَ وهَبِيبًا، إذا هَاجَتْ، (شَمْأَلٌ) هي رِيحٌ تَهُبُّ من ناحيةِ القُطْبِ، (بَلِيلُ) رَطْبَةٌ نَدِيَّةٌ.

الإعرابُ: (أنتَ) ضميرٌ منفصلٌ مبتدأٌ، (تكونُ) زائدةٌ، (ماجِدٌ) خبرُ المبتدأِ، (نَبِيلُ) صفةٌ لِمَاجِدٌ، (إِذَا) ظرفٌ لِمَا يُسْتَقْبَلُ مِن الزمانِ، (تَهُبُّ) فعلٌ مضارعٌ، (شَمْأَلٌ) فاعلُ تَهُبُّ، (بَلِيلُ) نَعْتٌ لشَمْأَلٌ، والجملةُ من الفعلِ والفاعلِ في محلِّ جرٍّ بإضافةِ (إذا) إليها، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ يَدُلُّ عليه الكلامُ، والتقديرُ: إذا تَهُبُّ شمألٌ بليلٌ فأنتَ ماجدٌ نبيلٌ حينَئذٍ.

الشاهدُ فيه: قولُها: (أنتَ تكونُ ماجدٌ) ؛ حيثُ زَادَتِ المضارِعَ مِن (كانَ) بينَ المبتدأِ وخبرِه، والثابتُ زيادتُه إنما هو الماضي دونَ المضارِعِ؛ لأنَّ الماضِيَ لَمَّا كانَ مبنيًّا أَشْبَهَ الحرفَ، وقد عَلِمْنَا أنَّ الحروفَ تَقَعُ زائدةً، كالباءِ، وقد زِيدَتِ الباءُ في المبتدأِ في نحوِ: (بِحَسْبِكَ دِرْهَمٌ) ، وزِيدَتْ في خبرِ ليسَ، في نحوِ قولِهِ تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} ، ونحوِ ذلك، فأما المضارِعُ فهو مُعْرَبٌ، فلم يُشْبِهِ الحرفَ، بل أَشْبَهَ الاسمَ، فتَحَصَّنَ بذلك الشَّبَهِ عن أنْ يُزَادَ، كما أنَّ الأسماءَ لا تُزَادُ إلاَّ شُذُوذًا، وهذا إيضاحُ كلامِ الشارِحِ وتخريجُ كلامِه وتعليلُه.

والقولُ بزيادةِ (تكونُ) شُذُوذًا في هذا البيتِ قولُ ابنِ الناظِمِ وابنِ هِشامٍ، وتَبِعَهُما مَن جاءَ بعدَهما مِن شُرَّاحِ الألفيَّةِ، وهما تابعانِ في ذلك لابنِ السيِّدِ وأبي البقاءِ.

ومِمَّا اسْتُدِلَّ به على زيادةِ (تكونُ) بلفظِ المضارعِ قولُ حَسَّانَ بنِ ثَابِتٍ:

كأنْهُ سَبِيئَةٌ مِن بيتِ رَأْسٍ ... يَكُونُ مِزَاجُهَا عَسَلٌ وماءُ

رَوَيَاهُ برفعِ (مِزَاجُها عَسَلٌ وماءُ) على أنها جملةٌ من مبتدأٍ وخبرٍ في محلِّ رفعِ صفةٍ لسَبيئةٌ، وزَعَمَا أنَّ (يكونُ) زائدةٌ.

والردُّ على ذلك أنَّ الروايةَ بنصبِ (مِزَاجَها) على أنه خبرُ يكونُ مُقَدَّمًا، ورَفْعِ (عسلٌ وماءُ) على أنه اسمُ يكونُ مُؤَخَّرٌ، ولئِنْ سَلَّمْنَا روايةَ رَفْعِهما فليسَ يَلْزَمُ عليها زيادةُ يكونُ، بل هي عاملةٌ، واسمُها ضميرُ شأنٍ محذوفٌ، وقولُه: (مِزَاجُهَا عسلٌ وماءُ) جملةٌ من مبتدأٍ وخبرٍ، وجملةُ المبتدأِ والخبرِ في محَلِّ نصبِ خبرِ يكونُ.

وكذلكَ بيتُ الشاهدِ، وليسَتْ (تكونُ) فيه زائدةً، بل هي عاملةٌ، واسْمُها ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ أنتَ، وخَبَرُها محذوفٌ، والجملةُ لا محلَّ لها؛ معتَرِضَةٌ بينَ المبتدأِ وخبرِه، والتقديرُ: أنتَ ماجدٌ نبيلٌ تكونُه.

(2) (يَحْذِفُونَهَا) فعلٌ مضارِعٌ، وواوُ الجماعةِ فاعلُه، وها العائدُ على (كانَ) مفعولٌ به، (ويُبْقُونَ) الواوُ حرفُ عطفٍ، يُبْقُونَ: فعلٌ مضارعٌ مرفوعٌ بثبوتِ النونِ، وواوُ الجماعةِ فاعِلُه، (الخَبَرْ) مفعولٌ به ليُبْقُونَ، (وبعدَ) ظرفٌ متعلِّقٌ بقولِهِ: (اشْتَهَر) الآتي، وبعدَ مضافٌ و (إنْ) قُصِدَ لَفْظُه: مضافٌ إليه، (ولوْ) معطوفٌ على إنْ، (كثيرًا) حالٌ من الضميرِ المستترِ في اشْتَهَر، (ذا) اسمُ إشارةٍ مبتدأٌ، (اشْتَهَر) فعلٌ ماضٍ، وفاعلُه ضميرٌ مستترٌ فيه جوازًا تَقْدِيرُهُ هو يعودُ إلى (ذا) الواقعِ مبتدأً، والجملةُ مِن اشْتَهَر وفاعلِه في محَلِّ رفعِ خبرِ المبتدأِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت