الصفحة 199 من 811

ذَكَرَ في هذا البيتِ أنَّ كانَ تُحْذَفُ بعدَ أنِ المصدريَّةِ ويُعَوَّضُ عنها (ما) ، ويَبْقَى اسمُها وخبرُها، نحوُ: (أمَّا أنتَ بَرًّا فاقْتَرِبْ) ، والأصلُ: (أنْ كُنْتَ بَرًّا فاقْتَرِبْ) ، فحُذِفَتْ (كانَ) ، فانْفَصَلَ الضميرُ المتَّصِلُ بها، وهو التاءُ، فصارَ (أنْ أنتَ برًّا) ، ثُمَّ أُتِيَ بـ (ما) عِوَضًا عن (كانَ) ، فصارَ (أنْ ما أنتَ برًّا) ، ثُمَّ أُدْغِمَتِ النونُ في الميمِ، فصارَ (أمَّا أنتَ برًّا) ومثلُه قولُ الشاعرِ:

74 -أَبَا خُرَاشَةَ أمَّا أَنْتَ ذَا نَفَرٍ ... فإنَّ قَوْمِي لم تَأْكُلْهُمُ الضَّبُعُ [1]

(1) البيتُ للعبَّاسِ بنِ مِرْدَاسٍ يُخَاطِبُ خُفَافَ ابنَ نَُدْبَةَ أبا خُرَاشَةَ، وهو من شواهدِ سِيبَوَيْهِ (ج 1 ص 148) وخُفَافُ ـ بزنةِ غُرَابٍ ـ شاعرٌ مشهورٌ، وفارسٌ مذكورٌ، من فُرسانِ قَيْسٍ، وهو ابنُ عمِّ صَخْرٍ ومعاويةَ وأُخْتِهِما الخَنْسَاءِ الشاعرةِ المشهورةِ، ونُدْبَةُ ـ بضمِّ النونِ أو فتحِها ـ أُمُّهُ، واسمُ أبيه عُمَيْرٌ.

اللغةُ: (ذا نَفَرٍ) يريدُ ذا قَوْمٍ تَعْتَزُّ بهم وجماعةٍ تَمْتَلِئُ بهم فَخْرًا، (الضَّبُعُ) أصلُه الحيوانُ المعروفُ، ثُمَّ اسْتَعْمَلُوه في السنَةِ الشديدةِ المُجْدِبَةِ، قالَ حَمْزَةُ الأَصْفَهانِيُّ: إنَّ الضَّبُعَ إذا وَقَعَتْ في غَنَمٍ عَاثَتْ، ولم تَكْتَفِ من الفسادِ بما يَكْتَفِي به الذئبُ، ومن إفسادِها وإسرافِها فيه اسْتَعَارَتِ العربُ اسمَها للسنَةِ المُجْدِبَةِ، فقالوا: أَكَلَتْنَا الضَّبُعُ.

المعنى: يا أبا خُراشةَ، إنْ كُنْتَ كثيرَ القومِ، وكنتَ تعتَزُّ بجماعتِكَ، فإنَّ قومِي مَوْفُورُونَ، كَثِيرو العددِ، لم تَأْكُلْهم السنَةُ الشديدةُ المُجْدِبَةُ، ولم تُضْعِفْهُمُ الحربُ، ولم تَنَلْ منهم الأَزَمَاتُ.

الإعرابُ: (أبا) مُنادًى حُذِفَتْ منه ياءُ النداءِ، وأبا مُضافٌ، و (خُراشةَ) مضافٌ إليه، (أَمَّا) هي عِبارةٌ عن أنِ المصدريَّةِ المُدْغَمَةِ في (ما) الزائدةِ النائبةِ عن (كانَ) المحذوفةِ، (أَنْتَ) اسمٌ لكانَ المحذوفةِ، (ذا) خبرُ كانَ المحذوفةِ، وذا مضافٌ و (نَفَرٍ) مضافٌ إليه، (فإنَّ) الفاءُ تعليليَّةٌ، إنَّ: حرفُ توكيدٍ ونصبٍ، (قَوْمِي) قومِ: اسمُ إنَّ، وقومِ مضافٌ والياءُ ضميرُ المتكلِّمِ مضافٌ إليه، (لم) حرفُ نفيٍ وجَزْمٍ وقلبٍ، (تَأْكُلْهُمْ) تَأْكُلْ: فعلٌ مضارِعٌ مجزومٌ بلم، والضميرُ مفعولٌ به لتَأْكُل، (الضَّبُعُ) فاعلُ تَأْكُلْ، والجملةُ من الفعلِ والفاعلِ في محلِّ رفعِ خبرِ (إنَّ) .

الشاهدُ فيه: قولُه: (أَمَّا أنتَ ذا نَفَرٍ) حيثُ حَذَفَ (كانَ) التي تَرْفَعُ الاسمَ وتَنْصِبُ الخبرَ، وعَوَّضَ عنها (ما) الزائدةَ، وأَدْغَمَها في نونِ أنِ المصدريَّةِ، وأَبْقَى اسمَ (كانَ) ، وهو الضميرُ البارِزُ المنفصِلُ، وخبرَها وهو قولُه: (ذا نَفَرٍ) .

وأصلُ الكلامِ عندَ البَصْرِيِّينَ: فخَرْتَ عليَّ لأنْ كُنْتَ ذا نَفَرٍ، فحُذِفَتْ لامُ التعليلِ ومتعَلِّقُها، فصارَ الكلامُ: أنْ كُنْتَ ذا نَفَرٍ، ثُمَّ حُذِفَتْ كانَ لكثرةِ الاستعمالِ؛ قَصدًا إلى التخفيفِ، فانفَصَلَ الضميرُ الذي كانَ مُتَّصِلًا بكانَ؛ لأنَّه لم يَبْقَ في الكلامِ عاملٌ يَتَّصِلُ به هذا الضميرُ، ثمَّ عُوِّضَ مِن كانَ بما الزائدةِ، فالْتَقَى حرفانِ متقاربانِ ـ وهما نونُ أنِ المصدريَّةِ وميمُ ما الزائدةِ ـ فأَدْغَمَهُما فصارَ الكلامُ: أمَّا أنتَ ذا نَفَرٍ.

هذا، وقد رَوَى ابنُ دُرَيْدٍ وأبو حَنِيفَةَ الدِّينَوَرِيُّ في مكانِ هذه العبارةِ: (إِمَّا كنتَ ذا نَفَرٍ) وعلى رِوَايَتِهما لا يكونُ في البيتِ شاهدٌ لِمَا نحنُ فيه الآنَ.

ومن شواهدِ المسألةِ قولُ الشاعِرِ:

إمَّا أَقَمْتَ وأَمَّا أنتَ مُرْتَحِلًا ... فاللهُ يَكْلأُ مَا تَأْتِي وما تَذَرُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت