فهرس الكتاب
فـ (أنْ) مَصْدَرِيَّةٌ، و (ما) زائدةٌ عِوَضًا عن (كانَ) ، وأنتَ اسمُ كانَ المحذوفةِ، وذا نَفَرٍ خبرُها، ولا يَجُوزُ الجمعُ بينَ كانَ و (ما) ؛ لكونِ (ما) عِوَضًا عنها، ولا يَجُوزُ الجمعُ بينَ العِوَضِ والمُعَوَّضِ، وأجازَ ذلك المُبَرِّدُ فيقولُ: (أمَّا كُنْتَ مُنْطَلِقًا انْطَلَقْتُ) [1] .
ولم يُسْمَعْ مِن لسانِ العربِ حذفُ (كانَ) وتعويضُ (ما) عنها، وإبقاءُ اسمِها وخبرِها، إلاَّ إذا كانَ اسمُها ضميرَ مخاطَبٍ، كما مَثَّلَ به المصنِّفُ، ولم يُسْمَعْ معَ ضميرِ المتكلِّمِ نحوُ: (أما أنا مُنْطَلِقًا انْطَلَقْتَ) ، والأصلُ: (أنْ كُنْتُ منطلِقًا) ، ولا معَ الظاهِرِ، نحوُ: (أمَّا زيدٌ ذاهبًا انْطَلَقْتُ) .
والقياسُ جوازُهما كما جازَ معَ المخاطَبِ، والأصلُ: (أن كانَ زيدٌ ذاهبًا انطلقتُ) ، وقد مَثَّلَ سِيبَوَيْهِ رَحِمَه اللهُ في (كتابِهِ) بـ (أمَّا زيدٌ ذاهبًا) .
ومِنْ مُضَارِعٍ لِكَانَ مُنْجَزِمْ ... تُحْذَفُ نونٌ وَهْوَ حَذْفٌ ما الْتُزِمْ [2]
إذا جُزِمَ الفعلُ المضارعُ من (كانَ) قيلَ: لم يَكُنْ، والأصلُ يكونُ، فحَذَفَ الجازِمُ الضمَّةَ التي على النونِ فالْتَقَى ساكنانِ: الواوُ، والنونُ؛ فحَذَفَ الواوَ لالتقاءِ الساكنيْنِ [3] ؛ فصارَ اللفظُ: (لم يَكُنْ) ، والقياسُ يَقْتَضِي أنْ لا يُحْذَفَ منه بعدَ ذلك شيءٌ آخَرُ، لكنَّهُم حَذَفُوا النونَ بعدَ ذلكَ تخفيفًا؛ لكثرةِ الاستعمالِ [4] ، فقالوا: (لم يَكُ) ، وهو حَذْفٌ جائزٌ لا لازِمٌ، ومَذْهَبُ
(1) ادِّعَاءُ أنه لا يجوزُ الجمعُ بينَ العِوَضِ والمُعَوَّضِ منه لا يَتِمُّ على الإطلاقِ، بل قد جَمَعُوا بينَهما في بعضِ الأحايينِ، فهذا الحكمُ أغلبيٌّ؛ ولهذا أجازَ المبرِّدُ أنْ يقالَ: (أمَّا كنتَ مُنْطَلِقًا انْطَلَقْتُ) .
(2) (ومِن مضارعٍ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِه: (تُحْذَفُ) الآتي، (لِكَانَ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ صفةٍ لمضارِعٍ، (مُنْجَزِمْ) صفةٌ ثانيةٌ لمضارِعٍ، (تُحْذَفُ) فعلٌ مضارعٌ مبنيٌّ للمجهولِ، (نونٌ) نائبُ فاعلِ تُحْذَفُ، (وَهْوَ) مبتدأٌ، (حَذْفٌ) خبرُ المبتدأِ، (ما) نافيةٌ، (الْتُزِمْ) فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمجهولِ، ونائبُ فاعلِه ضميرٌ مستَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يعودُ إلى حَذْفٌ، والجملةُ من الْتُزِم المنفيِّ ونائبِ الفاعلِ في محَلِّ رفعِ صفةٍ لحَذْفٌ، وتقديرُ البيتِ: وتُحْذَفُ نونٌ مِن مضارعٍ منجَزِمٍ آتٍ مِن مصدرِ كانَ، وهو حذفٌ لم تَلْتَزِمْه العربُ، ويريدُ أنه جائزٌ لا واجبٌ.
(3) لو قالَ: (للتخَلُّصِ من التقاءِ الساكنيْنِ) لكانَ أحسنَ.
(4) قد جاءَ هذا الحذفُ كثيرًا جِدًّا في كلامِ العربِ؛ نَثْرِه ونَظْمِه، فمِن ذلك قولُهم في المَثَلِ: (إنْ لم يَكُ لَحْمٌ فنَفَشٌ) والنَّفَشُ: الصوفُ، ويُرْوَى: (إنْ لم يَكُنْ) ، وهذه الروايةُ تَدُلُّ على أنَّ الحذفَ جائزٌ لا واجِبٌ، ومن شواهدِ ذلك قولُ عَلْقَمَةَ الفَحْلِ:
ذَهَبْتَ مِنَ الهِجْرَانِ في كلِّ مَذْهَبِ ... وَلَمْ يَكُ حَقًّا كُلُّ هَذَا التَّجَنُّبِ
وقولُ عُرْوَةَ بنِ الوَرْدِ العَبْسِيِّ:
ومَنْ يَكُ مِثْلِي ذَا عِيَالٍ ومُقْتِرًا ... يُغَرَّرْ ويَطْرَحْ نَفْسَهُ كُلَّ مَطْرَحِ
وقولُ مُهَلْهَلِ بنِ رَبِيعَةَ يَرْثِي أَخَاهُ كُلَيْبَ بنَ رَبِيعَةَ:
فإنْ يَكُ بالذَّنَائِبِ طَالَ لَيْلِي ... فقدْ أَبْكِي مِن الليلِ القصيرِ
وقولُ عُمَيْرَةَ بنِ طَارِقٍ اليَرْبُوعِيِّ:
وإنْ أَكُ فِي نَجْدٍ - سَقَى اللهُ أَهْلَهُ ... بِمَنَّانَةٍ مِنْهُ - فقَلْبِي على قُرْبِ
وقولُ الحُطَيْئَةِ العَبْسِيِّ:
أَلَمْ أَكُ جَارَكُمْ ويكونَ بينِي ... وبَيْنَكُمُ المودَّةُ والإِخَاءُ