فهرس الكتاب
واسْتَعْمَلُوا مُضَارِعًا لأَوْشَكَا ... وكادَ لاَ غَيْرُ وَزَادُوا مُوشِكَا [1]
أفعالُ هذا البابِ لا تَتَصَرَّفُ إلاَّ (كادَ وأَوْشَكَ) ؛ فإنَّه قدِ اسْتُعْمِلَ منهما المضارِعُ، نحوُ قولِهِ تعالى: {يَكَادُونَ يَسْطُونَ} ، وقولِ الشاعِرِ:
* يُوشِكُ مَنْ فَرَّ مِنْ مَنِيَّتِهِ * [2]
وزَعَمَ الأَصْمَعِيُّ أنه لم يُسْتَعْمَلْ (يُوشِكُ) إلا بِلَفْظِ المضارِعِ، ولم يُسْتَعْمَلْ (أَوْشَكْ) بلفظِ الماضي، وليسَ بحَيِّدٍ، بل قد حَكَى الخليلُ استعمالَ الماضِي، وقد ورَدَ في الشعرِ؛ كقولِهِ:
ولو سُئِلَ النَّاسُ التُّرَابَ لأَوْشَكُوا ... إِذَا قِيلَ هَاتُوا أَنْ يَمَلُّوا وَيَمْنَعُوا [3]
نعم الكثيرُ فيها استعمالُ المضارعِ وقَلَّ استعمالُ الماضي.
وقولُ المصنِّفِ: (وَزَادُوا مُوشِكَا) معناه: أنه قد وَرَدَ أيضًا استعمالُ اسمِ الفاعلِ مِن (أَوْشَكَ) ؛ كقولِهِ:
93 -فمُوشِكَةٌ أَرْضُنَا أنْ تَعُودَ ... خِلافَ الأَنِيسِ وَحُوشًا يَبَابَا [4]
(1) (واسْتَعْمَلُوا) فِعْلٌ وفاعلٌ، (مُضَارِعًا) مفعولٌ به لاسْتَعْمَلَ، (لأَوْشَكَا) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقَوْلِهِ: اسْتَعْمَلُوا، (وكادَ) معطوفٌ على أَوْشَكَ، (لا) عاطفةٌ، (غيرُ) معطوفٌ على أَوْشَكَ، مبنيٌّ على الضمِّ لقطعِه عن الإضافةِ في محلِّ جرٍّ، (وزَادُوا) فعلٌ وفاعلٌ، (مُوشِكَا) مفعولٌ به لزادَ.
(2) هذا هو الشاهِدُ رَقْمُ (90) ، وقد سَبَقَ شَرْحُه قريبًا؛ فانْظُرْه (ص 333) ، ومحَلُّ الشاهدِ فيه هنا قولُه: (يُوشِكُ) ؛ حيثُ اسْتَعْمَلَ فِعلًا مُضارعًا لأَوْشَكَ، كما بَيَّنَّاهُ في الموضِعِ الذي أَحَلْناكَ عليه.
(3) هذا هو الشاهِدُ رَقْمُ (89) ، وقد سَبَقَ شَرْحُه قَرِيبًا؛ فانْظُرْهُ في (ص 222) ، والاستشهادُ به ههنا بقولِه: (أَوْشَكُوا) ؛ حيثُ اسْتَعْمَلَ الفعلَ الماضيَ، وفيه رَدٌّ على الأصمعيِّ وأبي عليٍّ؛ حيثُ أَنْكَرَا استعمالَ الفعلِ الماضي وصيغةِ المضارِعِ المبنيِّ للمجهولِ، على ما حكَاه ابنُ مالِكٍ عنهما، وقد بَيَّنَّا ذلك في الموْضِعِ الذي أَحَلْنَاكَ عليه.
(4) 93 - هذا البيتُ لأبي سَهْمٍ الهُذَلِيِّ، وبعدَه قولُه:
وتُوحِشُ في الأرضِ بعدَ الكلامِ ... ولا تُبْصِرُ العيْنُ فيه كِلاَبَا
اللغةُ: (خِلافَ الأَنِيسِ) ؛:أي بعدَ المُؤَانِسِ، (وَحُوشًا) قَفْرًا خَالِيًا، وقد ضبَطَه بعضُ العلماءِ بضمِّ الواوِ على أنه جَمْع وَحْشٍ، والوحشُ: صِفَةٌ مشبَّهَةٌ، تقولُ: أرضٌ وَحْشٌ، تُرِيدُ خالِيَةً، وضَبَطَه آخرونَ بفتحِ الواوِ على أنه صفةٌ؛ كصَبُورٍ، (يَبَابَا) قالَ ابنُ مَنْظُورٍ في (اللِّسانِ) :(اليَبَابُ عندَ العربِ: الذي ليسَ فيه أحدٌ، قالَ عمرُ بنُ أبي رَبِيعَةَ:
ما على الرَّسْمِ بالبُلَيَّيْنِ لَوْ بَـ ... ـيَّنَ رَجْعَ الجوابِ أَوْ لَوْ أَجَابَا
فإلى قَصْرِ ذِي العَشِيرةِ فَالصـ ... ـالِفِ أَمْسَى من الأَنِيسَ يَبَابَا
معناه: خاليًا لا أحدَ به). اهـ.
الإعرابُ: (فمُوشِكَةٌ) خبرٌ مُقَدَّمٌ، وهو اسمُ فاعلٍ مِن أَوْشَكَ، ويَحْتَاجُ إلى اسمٍ وخبرٍ، واسمُه ضميرٌ مستترٌ فيه، (أَرْضُنَا) أرضُ: مبتدأٌ مُؤَخَّر، وأرضُ مضافٌ والضميرُ مضافٌ إليه، (أَنْ) مصدريةٌ، (تَعُودَ) فعلٌ مضارعٌ منصوبٌ بأنْ، والفاعلُ ضميرٌ مستترٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هي يعودُ إلى أرضُ، (خِلاَفَ) منصوبٌ على الظرفيَّةِ، وناصِبُه (تعودَ) ، وخلافَ مضافٌ و (الأَنِيسِ) مضافٌ إليه، (وحُوشًا) حالٌ مِن الضميرِ المستترِ في تعودَ، وقولُه: (يَبَابَا) حالٌ ثانيةٌ، وقيلَ: تأكيدٌ؛ لأنَّه بمعناه، وقيلَ: معطوفٌ عليه بحرفِ عطفٍ مقدَّرٍ، وأنْ وما دَخَلَتْ عليه في تأويلِ مصدرٍ خبرِ مُوشِكَ مِن حيثُ نُقْصَانُه.
الشاهِدُ فيه: قولُه: (فَمُوشِكَةٌ) ؛ حيثُ اسْتَعْمَلَ اسمَ الفاعلِ مِن أَوْشَكَ.
ومثلُه قولُ كُثَيِّرِ بنِ عبدِ الرحمنِ الشهيرِ بكُثَيِّرِ عَزَّةَ:
فإِنَّكَ مُوشِكٌ ألاَّ تَرَاهَا ... وتَعْدُو دُونَ غَاضِرَةَ الْعَوَادِي