الصفحة 226 من 811

وقد يُشْعِرُ تَخْصِيصُه (أَوْشَكَ) بالذكرِ أنه لم يُسْتَعْمَلِ اسمُ الفاعلِ مِن (كادَ) ، وليسَ كذلك؛ بل قد وَرَدَ استعمالُه في الشعرِ؛ كقولِهِ:

94 -أَمُوتُ أَسًى يَوْمَ الرِّجَامِ وَإِنَّنِي ... يَقِينًا لَرَهْنٌ بِالذي أنا كائِدُ [1]

وقد ذَكَرَ المصنِّفُ هذا في غيرِ هذا الكتابِ.

وأَفْهَمَ كلامُ المصنِّفِ أنَّ غيرَ (كادَ وأَوْشَكَ) من أفعالِ هذا البابِ لم يَرِدْ منه المضارِعُ ولا اسمُ الفاعلِ، وحَكَى غيرُه خلافَ ذلكَ؛ فحَكَى صاحِبُ (الإنصافِ) استعمالَ المضارِعِ واسمِ الفاعلِ مِن (عَسَى) ، قالَ: عَسَى يَعْسِي فهو عاسٍ، وحَكَى الجَوْهَرِيُّ مضارِعَ (طَفِقَ) ، وحَكَى الكِسَائِيُّ مضارِعَ (جَعَلَ) .

(1) هذا البيتُ لِكُثَيِّرِ بنِ عبدِ الرحمنِ المعروفِ بكُثَيِّرِ عَزَّةَ، وهو مِن قصيدةٍ له طويلةٍ يَقُولُها في رِثاءِ عبدِ العزيزِ بنِ مَرْوَانَ أبي أميرِ المؤمنينَ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ الخليفةِ الأُمَوِيِّ العَادِلِ، وقبلَ بيتِ الشاهدِ قولُه:

وكِدْتُ وَقَدْ سَالَتْ مِنَ العَيْنِ عَبْرَةٌ ... سَهَا عَانِدٌ مِنْهَا وأَسْبَلَ عَانِدُ

قَذِيتُ بِها والعينُ سَهْوٌ دُمُوعُهَا ... وعُوَّارُهَا في باطِنِ الجَفْنِ زَائِدُ

فإنْ تُرِكَتْ لِلْكُحْلِ لَمْ يُتْرَكِ الْبُكَى ... وتَشْرَى إذا ما حَثْحَثَتْهَا المَرَاوِدُ

اللغةُ: (سها عانِدٌ) يُقالُ: عِرْقٌ عَانِدٌ، إذا سالَ فلم يَكَدْ يَرْقَأُ، وسُئِلَ ابنُ عَبَّاسٍ عن المستحاضَةِ فقالَ: إنه عِرْقٌ عَانِدٌ. (قَذِيتُ بها) أَصَابَنِي القَذَى بسببِها، (سَهْوٌ دُمُوعُها) ساكنةٌ لَيِّنَةٌ، (عُوَّارُها) قَذَاهَا، (تَشْرَى) تُلِحُّ، (حَثْحَثَتْهَا) حَرَّكَتْهَا، (المَرَاوِدُ) جمعُ مِرْوَدٍ ـ بزِنَةِ مِنْبَرٍ ـ وهو ما يُحْمَلُ به الكُحْلُ إلى العيْنِ، (أَسًى) حُزْنًا وشِدَّةَ لَوْعَةٍ، (الرِّجَامِ) بالراءِ المهملةِ المكسورةِ والجيمِ ـ مَوْضِعٌ بعينِه، ويُصَحِّفُه جماعةٌ بالزايِ والحاءِ المهملةِ.

الإعرابُ: (أَمُوتُ) فعلٌ مضارعٌ، وفاعلُه ضميرٌ مستترٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ أنا، (أَسًى) مفعولٌ لأجلِه، ويجوزُ أنْ يكونَ حالًا بتقديرِ (آسِيًا) ؛ أي: حَزِينًا، (يومَ) منصوبٌ على الظرفيَّةِ الزمانيَّةِ، وناصبُه (أموتُ) ، ويومَ مضافٌ و (الرِّجامِ) مضافٌ إليه، (وَإِنَّنِي) إنَّ: حرفُ توكيدٍ ونصبٍ، والياءُ اسْمُها، (يَقِينًا) مفعولٌ مطلَقٌ لفعلٍ محذوفٍ تَقْدِيرُهُ: أُوقِنُ يَقِينًا، (لَرَهْنٌ) اللامُ مؤكِّدَةٌ، ورَهْنٌ: خبرُ إنَّ، (بالذي) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ برَهْنٌ، (أنا) مبتدأٌ، (كائِدُ) خبرُه، والجملةُ لا مَحَلَّ لها؛ صلةُ الموصولِ، والعائدُ إلى الموصولِ ضميرٌ محذوفٌ منصوبٌ بفعلٍ محذوفٍ تَقَعُ جملتُه في محَلِّ نصبٍ خَبَرًا لكائدٍ مِن حيثُ نُقْصَانُه، واسمُه ضميرٌ مستترٌ فيه، وتقديرُ الكلامِ: بالذي أنا كائِدٌ أَلْقَاهُ، مَثَلًا.

الشاهدُ فيه: قولُه: (كَائِدُ) بهمزةٍ بعدَ ألفِ فاعلٍ مُنْقَلِبَةٍ عن واوٍ ـ حيثُ اسْتَعْمَلَ الشاعرُ اسمَ الفاعلِ مِن (كادَ) ، هذا توجيهُ كلامِ الشارِحِ العلاَّمَةِ، وقد تَبِعَ فيه قَوْمًا من النُّحاةِ.

وقيلَ: إنَّ الصوابَ في الروايةِ: (كابِدُ) بالباءِ الموحَّدَةِ، من المُكَابَدَةِ؛ فلا شاهِدَ فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت