الصفحة 229 من 811

إِنَّ وَأَخَوَاتُهَا

لإِنَّ أَنَّ لَيْتَ لَكِنَّ لَعَلْ ... كَأَنَّ عَكْسُ مَا لِكَانَ مِنْ عَمَلْ [1]

كَإِنَّ زَيْدًا عَالِمٌ بِأَنِّي ... كُفْءٌ ولَكِنَّ ابْنَهُ ذُو ضِغْنِ [2]

هذا هو القِسْمُ الثاني من الحروفِ الناسخةِ للابتداءِ، وهي ستَّةُ أَحْرُفٍ [3] : إنَّ، وأنَّ، وكأنَّ، ولكِنَّ، ولَيْتَ، ولَعَلَّ، وعَدَّهَا سِيبَوَيْهِ خَمْسَةً فأَسْقَطَ (أنَّ) المفتوحةَ؛ لأنَّ أصلَها (إنَّ) المكسورةُ؛ كما سيأتي.

ومعنى (إنَّ وأنَّ) التوكيدُ، ومَعْنَى (كأنَّ) التشبيهُ، و (لكِنَّ) للاستدراكِ، و (لَيْتَ) للتمنِّي، و (لَعَلَّ) للتَّرَجِّي والإشفاقِ، والفرقُ بينَ التَّرَجِّي والتَّمَنِّي أنَّ التمنِّيَّ يكونُ في المُمْكِنِ، نحوُ: (ليتَ زيدًا قائِمٌ) ، وفي غيرِ المُمْكِنِ، نحوُ: (ليتَ الشبابَ يعودُ يومًا) [4] ، وأنَّ الترَجِّيَ لا يكونُ إلا في المُمْكِنِ، فلا تقولُ: (لَعَلَّ الشبابَ يعودُ) .

والفرقُ بينَ الترجِّي والإشفاقِ أنَّ الترجِّيَ يكونُ في المحبوبِ، نحوُ: (لَعَلَّ اللهَ يَرْحَمُنا) ، والإشفاقَ في المكروهِ، نحوُ: (لَعَلَّ العدوَّ يَقْدَمُ) .

(1) (لإِنَّ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرٌ مُقَدَّمٌ، (أَنَّ لَيْتَ لَكِنَّ لَعَل كَأَنَّ) كُلُّهُنَّ معطوفٌ على المجرورِ بعاطفٍ مقدَّرٍ، (عَكْسُ) مبتدأٌ مُؤَخَّرٌ، وعكسُ مضافٌ و (ما) اسمٌ موصولٌ مضافٌ إليه، (لكانَ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بفعلٍ محذوفٍ تقَعُ جملتُه صلةَ الموصولِ؛ أي: عَكْسُ الذي اسْتَقَرَّ لِكَانَ، (مِن عَمَلْ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بما تَعَلَّقَ به الأوَّلُ.

(2) (كإِنَّ) الكافُ جارَّةٌ لقولٍ محذوفٍ كما سَبَقَ غيرَ مرَّةٍ، إنَّ: حرفُ توكيدٍ ونصبٍ، (زَيْدًا) اسْمُها، (عالِمٌ) خَبَرُها، (بأنِّي) الباءُ جارَّةٌ، وأنَّ: حرفُ توكيدٍ ونصبٍ، والياءُ اسْمُها، (كُفْءٌ) خَبَرُها، وأنَّ ومَعْمُولاها في تأويلِ مصدرٍ مجرورٍ بالباءِ، والجارُّ والمجرورُ متعلِّقٌ بقولِهِ: (عالِمٌ) السابقِ، (ولكِنَّ) حرفُ استدراكٍ ونصبٍ، (ابْنَهُ) ابنَ: اسمُ لَكِنَّ، وابنَ مضافٌ والهاءُ مضافٌ إليه، (ذو) خبرُ لَكِنَّ، وذو مضافٌ و (ضِغْنِ) مضافٌ إليه.

(3) قدْ عَرَفْتَ مِمَّا قَدَّمْنَا لكَ ذِكْرَه في أَوَّلِ الكلامِ على أفعالِ المقارَبَةِ (ص 322) أنَّ سِيبَوَيْهِ رَحِمَه اللهُ يَرَى أنَّ (عَسَى) قد تكونُ حَرْفًا دالاًّ على الترجِّي مثلَ لَعَلَّ، وأنها على مذهبِه تكونُ عاملةً عَمَلَ إنَّ، فتَنْصِبُ الاسمَ، وترفَعُ الخبرَ، وذلك في حالةٍ واحدةٍ، وهي أنْ يَتَّصِلَ بها ضميرُ نَصْبٍ، نحوُ قولِ الشاعِرِ:

* فَقُلْتُ عَسَاهَا نَارُ كَأْسٍ وَعَلَّهَا *

وقد تَقَدَّمَ إنشادُه كامِلًا في الموضِعِ الذي أَحَلْنَاكَ عليه، ومثلُه قولُ الراجِزِ:

تقولُ بِنْتِي قدْ أَنَى أَنَاكَا ... يا أَبَتَا عَلَّكَ أَوْ عَسَاكَا

ومثلُه قولُ عِمْرَانَ بنِ حِطَّانَ الخارِجِيِّ:

ولي نَفْسٌ أَقُولُ لها إذا ما ... تُنَازِعُنِي لعَلِّي أو عَسَانِي

ولهذا تَجِدُ ابنَ هشامٍ عَدَّ هذه الحروفَ سبعةً: الستَّةَ التي عَدَّهَا الناظِمُ والشارِحُ، والسابعُ عَسَى، عندَ سِيبَوَيْهِ وجماعةٍ من النُّحاةِ. فاعْرِفْ ذلك.

(4) قد وَرَدَتْ هذه الجملةُ في بيتٍ لأبي العَتَاهِيَةِ، وهو قولُه:

ألاَ لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ يَوْمًا ... فَأُخْبِرَهُ بِمَا فَعَلَ المَشِيبُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت