فهرس الكتاب
وهذه الحروفُ تَعْمَلُ عَكْسَ عَمَلِ (كانَ) ؛ فتَنْصِبُ الاسمَ وترفَعُ الخبرَ [1] ، نحوُ: (إنَّ زيدًا قائمٌ) ، فهي عاملةٌ في الجُزْءَيْنِ، وهذا مذهَبُ البَصْرِيِّينَ.
(1) ههنا أمرانِ يَجِبُ أنْ تَتَنَبَّهَ لَهما:
الأوَّلُ: أنَّ هذه الحروفَ لا تَدْخُلُ على جملةٍ يَجِبُ فيها حذفُ المبتدأِ، كما لا تَدْخُلُ على مبتدأٍ لا يَخْرُجُ عن الابتدائيَّةِ، مثلُ (ما) التعجبيَّةِ، كما لا تَدْخُلُ على مبتدأٍ يَجِبُ له التصديرُ ـ أي: الوقوعُ في صدرِ الجملةِ ـ كاسمِ الاستفهامِ، ويُسْتَثْنَى من هذا الأخيرِ ضميرُ الشأنِ؛ فإنَّه مما يَجِبُ تصديرُه، وقدْ دَخَلَتْ عليه إنَّ في قولِ الأَخْطَلِ التَّغْلِبِيِّ:
إنَّ مَنْ يَدْخُلِ الْكَنِيسَةَ يَوْمًا ... يَلْقَ فِيهَا جَآذِرًا وَظِبَاءَ
فإنَّ: حرفُ توكيدٍ ونصبٍ، واسمُها ضميرُ شأنٍ محذوفٌ، ومَن: اسمُ شرطٍ مبتدأٌ، وخَبَرُه جملةُ الشرطِ وجَوَابِه، أو إحداهما، وجملةُ المبتدأِ وخبرِه في محَلِّ رفعِ خبرِ إنَّ، ولا يجوزُ أنْ تَجْعَلَ اسمَ الشرطِ اسمًا لإنَّ؛ لكونِه مِمَّا يَجِبُ له التصديرُ، وقد حُمِلَ على ذلك قولُه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ ) )فإنَّ: حرفُ توكيدٍ ونصبٍ، واسمُها ضميرُ شأنٍ محذوفٌ، والجارُّ والمجرورُ متعلِّقٌ بمحذوفٍ خبرٌ مُقَدَّمٌ، والمُصَوِّرُون: مبتدأٌ مُؤَخَّرٌ، وجملةُ المبتدأِ وخَبَرِه في محَلِّ رفعِ خبرِ إنَّ، وهذا هو الراجِحُ في إعرابِ هذا الحديثِ على هذه الروايةِ، ومنهم مَن جَعَلَ (مِن) في قولِه: (( مِنْ أَشَدِّ ) )زائدةً على مذهَبِ الكِسَائِيِّ الذي يُجِيزُ زيادةَ مِن الجارَّةِ في الإيجابِ، ويَجْعَلُ (أَشَدِّ) اسمَ إنَّ، و (المُصَوِّرُون) خَبَرَها، وهو مبنيٌّ على رأيٍ ضعيفٍ.
ولا تَدْخُلُ هذه الحروفُ على جملةٍ يكونُ الخبرُ فيها طَلَبِيًّا أو إنشائيًّا، فأمَّا قولُه تعالى: {إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ، وقولُه سُبْحَانَهُ: {إِنَّ اللَّه نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ} ، وقولُ الشاعِرِ:
إِنَّ الذين قَتَلْتُمْ أَمْسِ سَيِّدَهُمْ ... لا تَحْسَبُوا لَيْلَهُمْ عَنْ لَيْلِكُمْ نَامَا
فإنَّها على تَقْدِيرِ قولٍ محذوفٍ يَقَعُ خبرًا لإنَّ، وتَقَعُ هذه الجملةُ الإنشائيَّةُ معمولةً له، فيكونُ الكلامُ من بابِ حذفِ العاملِ وإبقاءِ المعمولِ، والتقديرُ: إنَّ الذين قَتَلْتُمْ سَيِّدَهُم مقولٌ في شأنِهم: لا تَحْسَبُوا ... إلخ، وكذلك الباقي، هكذا قالُوا، وهو عندي تَكَلُّفٌ والْتِزَامُ ما لا لُزُومَ له.
ويُسْتَثْنَى من ذلك عندَهم أنَّ المفتوحةُ؛ فإنَّها انْفَرَدَتْ بجَوَازِ وُقُوعِ خَبَرِها جملةً إنشائيَّةً، وهو مَقِيسٌ فيما إذا خُفِّفَتْ، نحوُ قولِهِ تعالى: {وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ} ، وقولِهِ جَلَّ شَأْنُه: (وَالْخَامِسَةَ أَنْ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهَا) .
الأمرُ الثاني: أنَّ جَماعةً من العلماءِ ـ منهم ابنُ سِيدَهْ ـ قد حَكَوا أنَّ قومًا مِن العربِ يَنْصِبُونَ بإنَّ وأَخَوَاتِها الاسمَ والخبرَ جميعًا، واسْتَشْهَدُوا على ذلكَ بقولِ الشاعِرِ: (ويُنْسَبُ إلى عُمَرَ بنِ أبي رَبِيعَةَ، ولم أَجِدْهُ في دِيوانِه) :
إذا اسْوَدَّ جُنْحُ الليلِ فَلْتَأْتِ وَلْتَكُنْ ... خُطَاكَ خِفَافًا إنَّ حُرَّاسَنَا أُسْدَا
وبقولِ مُحَمَّدِ بنِ ذُؤَيْبٍ العُمَانِيِّ الفُقَيْمِيِّ الراجزِ يَصِفُ فَرَسًا:
كَأَنَّ أُذْنَيْهِ إِذَا تَشَوَّفَا ... قَادِمَةً أَوْ قَلَمًا مُحَرَّفَا
وبقولِ ذِي الرُّمَّةِ:
كَأَنَّ جُلُودَهُنَّ مَموَّهَاتٍ ... على أَبْشَارِهَا ذَهَبًا زُلاَلاَ
وبقولِ الراجِزِ:
* يا لَيْتَ أَيَّامَ الصِّبَا رَوَاجِعَا *
وزَعَمَ ابنُ سَلامٍ أنَّ لغةَ جماعةٍ مِن تَمِيمٍ ـ هم قومُ رُؤْبَةَ بنِ العَجَّاجِ ـ نَصْبُ الجزأيْنِ بإنَّ وأَخَوَاتِها، ونَسَبَ ذلك أبو حَنِيفَةَ الدِّينَوَرِيُّ إلى تَمِيمٍ عَامَّةً.
وجَمْهَرَةُ النُّحاةِ لا يُسَلِّمُونَ ذلك كُلَّه، وعندَهم أنَّ المنصوبَ الثانِيَ منصوبٌ بعامِلٍ محذوفٍ، وذلك العامِلُ المحذوفُ هو خبرُ إنَّ، وكأنه قالَ: إنَّ حُرَّاسَنَا يُشْبِهُونَ أُسْدًا، يا ليتَ أَيَّامَ الصبا تكونُ رَوَاجِعَ.