فهرس الكتاب
وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنها لا عَمَلَ لها في الخبرِ، وإنما هو باقٍ على رفعِه الذي كانَ له قبلَ دخولِ (إنَّ) ، وهو خبرُ المبتدأِ.
وَرَاعِ ذَا التَّرْتِيبَ إِلاَّ فِي الَّذِي ... كَلَيْتَ فِيهَا - أَوْ هُنَا - غَيْرَ الْبَذِي [1]
أي: يَلْزَمُ تقديمُ الاسمِ في هذا البابِ وتأخيرُ الخبرِ، إلا إذا كانَ الخبرُ ظرفًا أو جارًّا ومجرورًا، فإنَّه لا يَلْزَمُ تأخيرُه، وتحتَ هذا قِسمانِ:
أحدُهما: أنه يَجُوزُ تقديمُه وتأخيرُه، وذلك نحوُ: (ليتَ فيها غيرَ البَذِي) ، أو (ليتَ هنا غيرَ البذي) ؛ أي: الوقِحِ، فيَجُوزُ تقديمُ (فيها وهنا) على (غيرَ) وتأخيرُهما عنها.
والثاني: أنه يَجِبُ تقديمُه، نحوُ: (ليتَ في الدارِ صاحِبَها) ، فلا يَجُوزُ تأخيرُ (في الدارِ) ؛ لئلاَّ يعودَ الضميرُ على متأخِّرٍ لفظًا ورُتْبَةً.
ولا يَجُوزُ تقديمُ معمولِ الخبرِ على الاسمِ إذا كانَ غيرَ ظرفٍ ولا مجرورٍ، نحوُ: (إنَّ زيدًا آكِلٌ طعامَكَ) ، فلا يَجُوزُ (إنَّ طَعَامَكَ زَيدًا آكِلٌ) ، وكذا إنْ كانَ المعمولُ ظرفًا أو جارًّا ومجرورًا، نحوُ: (إنَّ زيدًا واثقٌ بِكَ) ، أو (جالسٌ عندَكَ) ، فلا يَجُوزُ تقديمُ المعمولِ على الاسمِ، فلا تقولُ: (إنَّ بكَ زيدًا واثقٌ) ، أو (إنَّ عندَك زيدًا جالِسٌ) ، وأَجَازَهُ بعضُهم، وجَعَلَ مِنه قولَه:
95 -فَلاَ تَلْحَنِي فِيهَا فَإِنَّ بِحُبِّهَا ... أَخَاكَ مُصَابُ القَلْبِ جَمٌّ بَلاَبِلُهْ [2]
(1) (وَرَاعِ) فعلُ أمرٍ، وفاعلُه ضميرٌ مستترٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ أنتَ، (ذا) اسمُ إشارةٍ مفعولٌ به لِرَاعِ، (الترتيبَ) بَدَلٌ، أو عَطْفُ بيانٍ، أو نعتٌ لاسمِ الإشارةِ، (إلاَّ) أداةُ استثناءٍ، (في الذي) جارٌّ ومجرورٌ يَقَعُ مَوْقِعَ المُسْتَثْنَى من محذوفٍ، والتقديرُ: راعِ هذا الترتيبَ في كلِّ تركيبٍ إلا في التركيبِ الذي ... إلخ، (كَلَيْتَ) الكافُ جارَّةٌ لمحذوفٍ، وليتَ: حرفُ تَمَنٍّ ونصبٍ، (فيها) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرُ ليتَ مُقَدَّمٌ على اسمِها، (أو) عاطفةٌ، معناها التخييرُ، (هنا) ظرفُ مكانٍ معطوفٌ على قولِه: (فيها) ، (غيرَ) اسمُ (ليتَ) مُؤَخَّرٌ، وغيرَ مضافٌ و (البَذِي) مضافٌ إليه، والمرادُ بالتركيبِ الذي كَلَيْتَ فيها ... إلخ: كلُّ تركيبٍ وَقَعَ فيه خبرُ إنَّ ظرفًا أو جارًّا ومجرورًا.
(2) هذا البيتُ مِن شواهدِ سِيبَوَيْهِ الخَمْسِينَ التي لم يَنْسُبُوها إلى قائلٍ معيَّنٍ (انْظُرْ كتابَ سِيبَوَيْهِ 1/ 280) .
اللغةُ: (لا تَلْحَنِي) - من بابِ فَتَحَ - أي: لا تَلُمْنِي ولا تَعْذِلْنِي، (جَمٌّ) كثيرٌ عظيمٌ، (بلابِلُهْ) ؛ أي: وَسَاوِسُه، وهو جمعُ بَلْبَالٍ، وهو الحزنُ واشتغالُ البالِ.
المعنى: قالَ الأعلَمُ في شرحِ شواهدِ سِيبَوَيْهِ: (يقولُ: لا تَلُمْنِي في حُبِّ هذه المرأةِ؛ فقدْ أُصِيبَ قَلْبِي بها، واسْتَوْلَى عليه حُبُّها؛ فالعَذْلُ لا يَصْرِفُنِي عنها) اهـ.
الإعرابُ: (فلا) ناهيةٌ، (تَلْحَنِي) تَلْحَ: فعلٌ مضارعٌ مجزومٌ بلا الناهيةِ، وعلامةُ جَزْمِه حذفُ حرفِ العلةِ، وفاعلُه ضميرٌ مستترٌ فيه وجوبًا تَقْدِيرُهُ أنتَ، والنونُ للوقايةِ، والياءُ مفعولٌ به، (فيها) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بتَلْحَى، (فإنَّ) الفاءُ تعليليَّةٌ، إنَّ: حرفُ توكيدٍ ونصبٍ، (بِحُبِّهَا) الجارُّ والمجرورُ متعلِّقٌ بقولِهِ: (مُصابُ) الآتي، وحُبِّ مضافٌ، وها: ضميرُ الغائبةِ مضافٌ إليه، (أخاك) أخا: اسمُ إنَّ، وأخا مضافٌ والكافُ مضافٌ إليه، (مُصابُ) خبرُ إنَّ، ومصابُ مضافٌ و (القلبِ) مضافٌ إليه، (جَمٌّ) خبرٌ ثانٍ لإنَّ، (بَلابِلُهْ) بَلابِلُ: فاعلٌ لِجَمٌّ، مرفوعٌ بالضمَّةِ الظاهرةِ، وبلابلُ مضافٌ وضميرُ الغائبِ العائدُ إلى (أخاكَ) مضافٌ إليه، مبنيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ جَرٍّ.
الشاهِدُ فيه: تقديمُ معمولِ خبرِ (إنَّ) ، وهو قولُه: (بِحُبِّهَا) على اسْمِها، وهو قولُه: (أخاكَ) ، وخَبَرِها، وهو قولُه: (مُصابُ القلبِ) ، وأصلُ الكلامِ: (إنَّ أخاكَ مصابُ القلبِ بِحُبِّها) ، فقَدَّمَ الجارَّ والمجرورَ على الاسمِ، وفَصَلَ به بينَ إنَّ واسْمِها معَ بقاءِ الاسمِ مُقَدَّمًا على الخبرِ، وإجازةُ هذا هو ما رآه سِيبَوَيْهِ شيخُ النُّحاةِ (انْظُر الكِتَابَ 1/ 280) .