فهرس الكتاب
تَقَدَّمَ أنه إذا عُطِفَ على اسمِ (لا) نكرةٌ مفردةٌ وتَكَرَّرَتْ (لا) ، يَجُوزُ في المعطوفِ ثلاثةُ أَوْجُهٍ: الرفعُ والنصبُ والبناءُ على الفتحِ، نحوُ: (لا رَجُلَ ولا امْرَأَةَ ولا امْرَأَةٌ ولا امرأةً) ، وذَكَرَ في هذا البيتِ أنه إذا لم تَتَكَرَّرْ (لا) يَجُوزُ في المعطوفِ ما جازَ في النعتِ المفصولِ، وقد تَقَدَّمَ في البيتِ الذي قَبْلَه أنه يَجُوزَ فيه الرفعُ والنصبُ [1] ولا يَجُوز فيه البناءُ على الفتحِ، فتقولُ: (لا رَجُلَ وامرأةٌ وامرأةً) ، ولا يَجُوزُ البناءُ على الفتحِ.
وحَكَى الأخفشُ: (لا رَجُلَ وامرأةَ) بالبناءِ على الفتحِ على تقديرِ تَكَرُّرِ (لا) ، فكأنه قالَ: (لا رَجُلَ ولا امْرَأَةَ) ثمَّ حُذِفَتْ (لا) .
وكذلك إذا كانَ المعطوفُ غيرَ مُفْرَدٍ لا يَجُوزُ فيه إلاَّ الرفعُ والنصبُ، سواءٌ تَكَرَّرَتْ (لا) ، نحوُ: (لا رَجُلَ ولا غُلامَ امرأةٍ) ، أو لم تَتَكَرَّرْ، نحوُ: (لا رَجُلَ وغلامَ امرأةٍ) [2] .
هذا كلُّه إذا كانَ المعطوفُ نَكِرَةً، فإنْ كانَ معرفةً لا يَجُوزُ فيه إلا الرفعُ على كلِّ حالٍ، نحوُ: (لا رَجُلَ ولا زَيْدٌ فيها) ، أو (لا رَجُلَ وزيدٌ فيها) .
وأَعْطِ (لا) مَعْ هَمْزَةِ اسْتِفْهَامِ ... ما تَسْتَحِقُّ دُونَ الاستفهامِ [3]
(1) من شَوَاهِدِ هذه المسألةِ قولُ رَجُلٍ مِن بني عبدِ مَنَاةَ بنِ كِنَانَةَ يَمْدَحُ مَرْوَانَ بنَ الحَكَمِ وابنَه عبدَ المَلِكِ:
فلا أَبَ وابْنًا مِثْلُ مَرْوَانَ وَابْنِهِ ... إذا هُوَ بالمَجْدِ ارْتَدَى وَتَأَزَّرَا
فأنتَ تَرَاهُ قد عَطَفَ (ابنًا) على اسمِ لا الذي هو (أبَ) ، وأَتَى بالمعطوفِ منصوبًا، وقد كانَ يجوزُ له أنْ يَأْتِيَ به مرفوعًا بالعطفِ على مَحَلِّ (لا) معَ اسمِها؛ فإنَّ مَحَلَّهما رفعٌ بالابتداءِ عندَ سِيبَوَيْهِ، كما تَقَدَّمَ ذِكْرُه مِرَارًا.
(2) ذَكَرَ الناظِمُ والشارِحُ حُكْمَ العطفِ على اسمِ لا، وحُكْمَ نعتِه، ولم يَذْكُرْ واحدٌ منهما حُكْمَ البَدَلِ منه.
وحاصلُه أنَّ البَدَلَ إما أنْ يكونَ نَكِرَةً كاسمِ لا، وإما أنْ يكونَ مَعْرِفَةً، فإذا كانَ البَدَلُ نَكِرَةً جازَ فيه الرفعُ والنصبُ، فتقولُ: لا أَحَدَ رَجُلًا وامرأةً فيها، وتقولُ: لا أحدَ رَجُلٌ وامرأةٌ فيها، وإن كانَ البَدَلُ معرفةً لم يَجُزْ فيه إلا الرفعُ، فتقولُ: لا أَحَدَ زيدٌ وعَمْرٌو فيها.
وأما التوكيدُ فلا يأتي منه المعنويُّ؛ لأنَّ ألفاظَه معارِفُ، واسمٌ (لا) نكرةٌ، ولا تُؤَكَّدُ النكرةُ توكيدًا معنويًّا على ما سَتَعْرِفُ في بابِ التوكيدِ إنْ شاءَ اللهُ.
(3) (وأَعْطِ) فعلُ أمرٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ أنتَ، (لا) قُصِدَ لَفْظُهُ: مفعولٌ أوَّلُ لأَعْطِ، (معْ) ظرفٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ حالٌ مِن (لا) ، ومعْ مضافٌ و (همزةِ) مضافٌ إليه، وهمزةِ مضافٌ و (استفهامِ) مضافٌ إليه، (ما) اسمٌ موصولٌ: مفعولٌ ثانٍ لأَعْطِ، (تَسْتَحِقُّ) فعلٌ مضارعٌ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هي يعودُ على (لا) ، ومفعولُه ضميرٌ محذوفٌ يعودُ على (ما) الموصولةِ، والجملةُ لا مَحَلَّ لها؛ صلةُ الموصولِ، (دونَ) ظرفٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ حالٌ مِن (لا) ، ودونَ مضافٌ و (الاستفهامِ) مضافٌ إليه.
وحاصِلُ البيتِ: وأَعْطِ (لا) النافيةَ حالَ كَوْنِها مصاحِبةً الهمزةَ الدالَّةَ على الاستفهامِ نفسَ الحُكْمِ الذي كانَتْ (لا) هذه تَسْتَحِقُّه حالَ كَوْنِها غيرَ مصحوبةٍ بأداةِ الاستفهامِ.