الصفحة 269 من 811

إذا دَخَلَتْ همزةُ الاستفهامِ على (لا) النافِيَةِ للجِنْسِ بَقِيَتْ على ما كانَ لها مِن العملِ وسائرِ الأحكامِ التي سَبَقَ ذِكْرُها، فتقولُ: (ألا رَجُلَ قائمٌ وألا غُلامَ رَجُلٍ قائمٌ، وألا طالعًا جَبَلًا ظاهِرٌ) ، وحُكْمُ المعطوفِ والصفةِ بعدَ دخولِ همزةِ الاستفهامِ كحُكْمِهما قبلَ دُخُولِها.

هكذا أَطْلَقَ المصنِّفُ رَحِمَه اللهُ تعالى هنا، وفي كلِّ ذلك تَفْصِيلٌ، وهو أنه إذا قُصِدَ بالاستفهامِ التوبيخُ أو الاستفهامُ عن النفيِ فالحُكْمُ كما ذَكَرَ مِن أنه يَبْقَى عَمَلُها، وجَميعُ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُه مِن أحكامِ العطفِ والصفةِ وجوازِ الإلغاءِ.

فمثالُ التوبيخِ قولُكَ: (ألاَ رُجُوعَ وقدْ شِبْتَ) ، ومنه قولُه:

113 -ألاَ ارْعِوَاءَ لِمَنْ وَلَّتْ شَبِيبَتُهُ ... وآذَنَتْ بِمَشِيبٍ بَعْدَهُ هَرَمُ [1]

ومثالُ الاستفهامِ عن النفيِ قولُكَ: (ألا رَجُلَ قائمٌ) ؟ ومنه قولُه:

114 -أَلاَ اصْطِبَارَ لِسَلْمَى أَمْ لَهَا جَلَدٌ إذا أُلاقِي الذي لاقَاهُ أَمْثَالِي [2]

(1) هذا البيتُ لم يَنْسُبْه أحدٌ مِمَّن اسْتَشْهَدَ به ـ فيما بينَ أَيْدِينَا مِن المَرَاجِعِ ـ إلى قائلٍ مُعَيَّنٍ.

اللغةُ: (ارْعِوَاءَ) ؛ أي: انتهاءَ وانْكِفَافَ وانْزِجَارَ، وهو مصدرُ ارْعَوَى يَرْعَوِي؛ أي: كَفَّ عن الأمرِ وتَرَكَه، (آذَنَتْ) أَعْلَمَتْ، (وَلَّتْ) أَدْبَرَتْ، (مَشِيبٍ) شيخوخةٍ وكِبَرٍ، (هَرَمُ) فَنَاءُ القُوَّةِ وذَهابُ الفَتَاءِ ودَوَاعِي الصَّبْوَةِ.

المعنى: أفما يَكُفُّ عن المقابحِ ويَدَعُ دَوَاعِيَ النَّزَقِ والطَّيْشِ هذا الذي فَارَقَه الشبابُ وأَعْلَمَتْه الأيامُ أنَّ جِسْمَه قد أَخَذَ في الاعتلالِ، وسَارَعَتْ إليه أسبابُ الفَناءِ والزَّوَالِ؟ ‍!

الإعرابُ: (ألاَ) الهمزةُ للاستفهامِ، ولا: نافيةٌ للجِنْسِ، وقُصِدَ بالحرفيْنِ جميعًا التوبيخُ والإنكارُ، (ارْعِوَاءَ) اسمُ لا، (لِمَنْ) جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرُ (لا) ، ومَن: اسمٌ موصولٌ، (وَلَّتْ) وَلَّى: فِعْلٌ ماضٍ، والتاءُ تاءُ التأنيثِ، (شَبِيبَتُهُ) شَبِيبَةُ: فاعلُ وَلَّتْ، وشَبِيبَةُ مضافٌ والضميرُ مضافٌ إليه، والجملةُ مِن وَلَّتْ وفاعلِه لا مَحَلَّ لها؛ صِلَةُ الموصولِ، (وَآذَنَتْ) الواوُ عاطفةٌ، آذَنَ: فِعْلٌ ماضٍ، والتاءُ تاءُ التأنيثِ، والفاعلُ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هي يعودُ إلى شَبِيبَةُ، (بِمَشِيبٍ) جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بآذَنَتْ، (بَعْدَهُ) بَعْدَ: ظرفُ زمانٍ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرٌ مُقَدَّمٌ، وبعدَ مضافٌ والهاءُ ضميرُ المَشِيبِ مضافٌ إليه، (هَرَمُ) مبتدأٌ مؤخَّرٌ، والجملةُ مِن المبتدأِ وخبرِهِ في مَحَلِّ جَرٍّ صفةٌ لِمَشِيبٍ.

الشاهدُ فيه: قولُه: (أَلاَ ارْعِوَاءَ) ، حيثُ أَبْقَى لِلا النافيةِ عَمَلَهَا الذي تَسْتَحِقُّهُ معَ دُخُولِ همزةِ الاستفهامِ عليها؛ لأنَّه قَصَدَ بالحرفيْنِ جميعًا التوبيخَ والإنكارَ.

(2) نُسِبَ هذا البيتُ لِمَجْنُونِ بَنِي عَامِرٍ قَيْسِ بنِ المُلَوَّحِ، ويُرْوَى في صَدْرِهِ اسْمُها هكذا:

* أَلاَ اصْطِبَارَ لِلَيْلَى أَمْ لَهَا جَلَدٌ *

اللغةُ: (اصْطِبَارَ) تَصَبُّرٌ، وتَجَلُّدٌ، وسُلْوَانٌ، واحْتِمَالٌ، (لاَقَاهُ أَمْثَالِي) كنايةٌ عن الموتِ.

المعنى: لَيْتَ شِعْرِي ـ إذا أَنا لاَقَيْتُ ما لاقَاهُ أمثالي مِن الموتِ ـ أَيَمْتَنِعُ الصبرُ على سَلْمَى أمْ يَبْقَى لها تَجَلُّدُها وصَبْرُها؟

الإعرابُ: (ألاَ) الهمزةُ للاستفهامِ، ولا: نافيةٌ للجنسِ، (اصْطِبَارَ) اسمُ (لا) مَبْنِيٌّ على الفتحِ في مَحَلِّ نَصْبٍ، (لِسَلْمَى) جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرُ (لا) ، (أمْ) عاطفةٌ، (لها) جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرٌ مُقَدَّمٌ، (جَلَدٌ) مبتدأٌ مُؤَخَّرٌ، والجملةُ معطوفةٌ على جملةِ (لا) واسمِها وخبرِها، (إذا) ظرفيَّةٌ، (أُلاقِي) فعلٌ مضارِعٌ وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ أنا، والجملةُ في مَحَلِّ جَرٍّ بإضافةِ (إذا) إليها، (الذي) اسمٌ موصولٌ: مفعولٌ به لأُلاَقِي، (لاَقَاهُ) لاَقَى: فِعْلٌ ماضٍ، والهاءُ مفعولٌ به لِلاَقَى تَقَدَّمَ على فاعلِه، (أمثالِي) أمثالِ: فاعلُ لاَقَى، وأمثالِ مضافٌ وياءُ المتكلِّمِ مضافٌ إليه، والجملةُ مِن الفِعْلِ والفاعِلِ والمفعولِ لا مَحَلَّ لها؛ صلةُ الموصولِ.

الشاهِدُ فيه: قولُه: (ألاَ اصْطِبَارَ) ، حيثُ عَامَلَ (لا) بعدَ دخولِ همزةِ الاستفهامِ مثلَما كانَ يُعَامِلُها به قبلَ دُخُولِها، والمرادُ مِن الهمزةِ هنا الاستفهامُ، ومِن (لا) النفيُ، فيكونُ معنى الحرفيْنِ معًا الاستفهامَ عن النفيِ، وبهذا البيتِ يَنْدَفِعُ ما ذَهَبَ إليه الشَّلَوْبِينُ مِن أنَّ الاستفهامَ عن النفيِ لا يَقَعُ، وكونُ الحرفيْنِ معًا دالَّيْنِ على الاستفهامِ عن النفيِ في هذا البيتِ ممَّا لا يَرْتَابُ فيه أَحَدٌ؛ لأنَّ مرادَ الشاعرِ أنْ يَسْأَلَ: أَيَنْتَفِي عن مَحْبُوبَتِه الصبرُ إذا ماتَ، فتَجْزَعَ عليه، أم يكونُ لها جَلَدٌ وتَصَبُّرٌ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت