فهرس الكتاب
فاسْتَعْمَلَ (رَأَى) فيه لِلْيَقِينِ، وقد تُسْتَعْمَلُ (رَأَى) بمعنى ظَنَّ [1] ؛ كقولِهِ تعالى: {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا} ؛ أي: يَظُنُّونَه.
ومثالُ (عَلِمَ) : (عَلِمْتُ زيدًا أخاكَ) ، وقولُ الشاعِرِ:
118 -عَلِمْتُكَ الْبَاذِلَ الْمَعْرُوفَ فَانْبَعَثَتْ ... إِلَيْكَ بِي وَاجِفَاتُ الشَّوْقِ وَالأَمَلِ [2]
(1) تأتي رَأَى بمعنى عَلِمَ، وبمعنى ظَنَّ، وقد ذَكَرَهما الشارِحُ هنا، وتأتي كذلك بمعنى حَلَمَ؛ أي: رَأَى في منامِه، وتُسَمَّى الحُلْمِيَّةَ، وسَيَذْكُرُها الناظِمُ بَعْدُ، وهي بهذه المعاني الثلاثةِ تَتَعَدَّى لمفعوليْنِ، وتأتي بمعنى أَبْصَرَ، نحوُ: (رَأَيْتُ الكواكِبَ) ، وبمعنى اعْتَقَدَ، نحوُ: (رَأَى أبو حَنِيفَةَ حِلَّ كذا) ، وتأتي بمعنى أصابَ رِئَتَهُ، تقولُ: (رَأَيْتُ مُحَمَّدًا) تُرِيدُ: ضَرَبْتُه فأَصَبْتُ رِئَتَه، وهي بهذه المعاني الثلاثةِ تَتَعَدَّى لمفعولٍ واحدٍ، وقد تَتَعَدَّى التي بمعنى اعْتَقَدَ إلى مفعوليْنِ، كقولِ الشاعِرِ:
رَأَى الناسَ إلاَّ مَن رَأَى مِثْلَ رَأْيِهِ ... خَوَارِجَ تَرَّاكِينَ قَصْدَ المَخَارِجِ
وقد جَمَعَ الشاعرُ في هذا البيتِ بينَ تَعْدِيَتِها لواحدٍ وتَعْدِيَتِها لاثنيْنِ، فأمَّا تَعْدِيَتُها لواحدٍ ففي قَوْلِهِ: (رَأَى مِثْلَ رَأْيِهِ) ، وأمَّا تَعْدِيَتُها لاثنيْنِ ففي قَوْلِهِ: (رَأَى الناسَ ... خَوَارِجَ) هكذا قيلَ، ولو قُلْتَ: إنَّ خَوَارِجَ حالٌ مِن الناسِ لم تَكُنْ قد أَبْعَدْتَ.
(2) 118 - هذا البيتُ من الشواهدِ التي لم يَنْسُبُوها لقائلٍ مُعَيَّنٍ.
اللغةُ: (الباذِلَ) اسمُ فاعلٍ من البَذْلِ، وهو الجُودُ والإعطاءُ، وفعلُه من بابِ نَصَرَ، (المَعْرُوفَ) اسمٌ جَامِعٌ لكلِّ ما هو مِن خَيْرَيِ الدنيا والآخِرَةِ، وفي الحديثِ: (( صَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ ) )، و (فَانْبَعَثَتْ) ثَارَتْ ومَضَتْ ذَاهِبَةً في طَرِيقِها، (وَاجِفَاتُ) أرادَ بها دواعِيَ الشوقِ وأسبابَه التي بَعَثَتْه على الذَّهابِ إليه، وهي جمعُ وَاجِفَةٍ، وهي مُؤَنَّثُ اسمِ فاعلٍ مِن الوَجِيفِ، وهو ضَرْبٌ مِن السَّيْرِ السريعِ، وتقولُ: وَجَفَ البَعِيرُ يَجِفُ وَجْفًا ـ بوزنِ وَعَدَ يَعِدُ وَعْدًا ـ ووَجِيفًا، إذا سَارَ، وقد أَوْجَفَه صاحِبُه، وفي الكتابِ العزيزِ: {فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ} .
الإعرابُ: (عَلِمْتُكَ) فِعْلٌ وفاعلٌ ومفعولٌ أَوَّلُ، (البَاذِلَ) مفعولٌ ثانٍ لِعَلِمَ، (المَعْرُوفَ) يجوزُ جَرُّه بالإضافة، ويجوزُ نصبُه على أنه مفعولٌ به للباذِلَ، (فانْبَعَثَت) الفاءُ عاطفةٌ، وانْبَعَثَ: فِعْلٌ ماضٍ، والتاءُ للتأنيثِ، (إِلَيْكَ بِي) كلٌّ مِنهما جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بانْبَعَثَ، (وَاجِفَاتُ) فاعلٌ بِانْبَعَثَ، ووَاجِفَاتُ مضافٌ و (الشوْقِ) مضافٌ إليه، (والأَمَلِ) معطوفٌ على الشوقِ.
الشاهِدُ فيه: قولُه: (عَلِمْتُكَ الْبَاذِلَ .. إلخ) ؛ فإنَّ عَلِمَ في هذه العبارةِ فِعْلٌ دَالٌّ على اليَقِينِ، وقد نَصَبَ به مفعوليْنِ:
أَحَدُهما: الكافُ.
والثاني: قولُه: (الباذِلَ) على ما بَيَّنَّاهُ في الإعرابِ.
والذي يَدُلُّ على أنَّ (عَلِمَ) في هذا البيتِ بمعنى اليَقِينِ، أنَّ المقصودَ مَدْحُ المُخَاطَبِ واسْتِجْدَاؤُه، وذلك يَسْتَدْعِي أنْ يكونَ مُرَادُه: إني أَيْقَنْتُ بأَنَّكَ جَوَادٌ كَرِيمٌ تُعْطِي مَن سَأَلَكَ؛ فلهذا أَسْرَعْتُ إليكَ مُؤَمِّلًا جَدْوَاكَ.
وقد تَأْتِي (عَلِمَ) بمعنى ظَنَّ، ويُمَثِّلُ لها العلماءُ بقولِهِ تعالى: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ} .
وهي ـ إذا كانَتْ بمعنى اليقينِ أو الظنِّ ـ تَتَعَدَّى إلى مفعوليْنِ.
وقد تأتي بمعنى عَرَفَ فتَتَعَدَّى لواحِدٍ.
وقد تأتي بمعنى صارَ أَعْلَمَ ـ أي: مشقوقَ الشَّفَةِ العُلْيَا ـ فلا تَتَعَدَّى أَصْلًا.