فهرس الكتاب
(وظَنَنْتُ زيدًا صَاحِبَكَ) ، وقد تُسْتَعْمَلُ لليقينِ؛ كقولِه تعالى: {وَظَنُّوا أَنْ لاَ مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ} ، و (حَسِبْتُ زيدًا صَاحِبَكَ) ، وقد تُسْتَعْمَلُ لليَقِينِ؛ كقولِهِ:
122 -حَسِبْتُ التُّقَى وَالْجُودَ خَيْرَ تِجَارَةٍ ... رَبَاحًا إِذَا ما المَرْءُ أَصْبَحَ ثَاقِلاَ [1]
(1) هذا البيتُ لِلَبِيدِ بنِ رَبِيعَةَ العَامِرِيِّ، من قصيدةٍ طويلةٍ عِدَّتُهَا اثنانِ وتسعونَ بَيْتًا، وأَوَّلُها قولُه:
كُبَيْشَةُ حَلَّتْ بَعْدَ عَهْدِكَ عَاقِلًا ... وكانَتْ لَهُ خَبْلًا على النَّأْيِ خَابِلاَ
تَرَبَّعَتِ الأشرافَ ثُمَّ تَصَيَّفَتْ ... حِسَاءَ البُطَاحِ وانْتَجَعْنَ المَسَايِلاَ
اللغةُ: (كُبَيْشَةُ) على زِنَةِ التصغيرِ: اسمُ امرأةٍ، (عاقلًا) بالعينِ المهملةِ والقافِ: اسمُ جبلٍ، قالَ ياقوتٌ: (الذي يَقْتَضِيهِ الاشتقاقُ أنْ يكونَ عاقلٌ اسمَ جَبَلٍ، والأشعارُ التي قِيلَتْ فيه بالوادي أَشْبَهُ، ويجوزُ أنْ يكونَ الوادي منسوبًا إلى الجبلِ؛ لكونِه مِن لِحْفِهِ) . اهـ. (خَبْلًا) الخَبْلُ: فَسَادُ العقلِ، ويُرْوَى: (وكانَتْ له شُغْلًا على النأيِ شَاغِلًا) .
وقولُه: (تَرَبَّعَتِ الأشرافَ) معناه: نَزَلَتْ به في وقتِ الرَّبِيعِ، والأشرافُ: اسمُ مَوْضِعٍ، ولم يَذْكُرْهُ ياقوتٌ، (تَصَيَّفَتْ حِسَاءَ البُطَاحِ) نَزَلَتْ به زمانَ الصيفِ، وحِسَاءُ البُطَاحِ: مَنْزِلٌ لِبَنِي يَرْبُوعَ، وهو بضمِّ باءِ البُطَاحِ كما قالَ ياقوتٌ، ووَهِمَ العَيْنِيُّ في ضبطِه بكسرِ الباءِ؛ لِظَنِّه أنه جمعُ بَطْحَاءَ، (رَبَاحٌ) بفتحِ الراءِ: الرِّبْحُ، (ثاقلًا) مَيِّتًا؛ لأنَّ البَدَنَ يكونُ خَفِيفًا ما دَامَتِ الرُّوحُ فيه، فإذا فَارَقَتْهُ ثَقُلَ.
المعنى: لَقَدْ أَيْقَنْتُ أنَّ أكثرَ شيءٍ رِبْحًا إذا اتَّجَرَ فيه الإنسانُ إنما هو تَقْوَى اللهِ تعالى والجُودُ، وإنه لَيَعْرِفُ الرِّبْحَ إذا ماتَ، حيثُ يَرَى جَزَاءَ عَمَلِهِ حَاضِرًا عندَه.
الإعرابُ: (حَسِبْتُ) فعلٌ وفاعلٌ، (التُّقَى) مفعولٌ أوَّلُ، (والجُودَ) معطوفٌ على التُّقَى، (خَيْرَ) مفعولٌ ثانٍ لحَسِبْتُ، وخيرَ مضافٌ و (تجارةٍ) مضافٌ إليه، (رَبَاحًا) تمييزٌ، (إِذَا) ظرفٌ لِمَا يُسْتَقْبَلُ مِن الزمانِ، (ما) زائدةٌ، (المَرْءُ) اسمٌ لأَصْبَحَ محذوفةٌ تُفَسِّرُها المذكورةُ بعدُ، وخَبَرُها محذوفٌ أيضًًا، والتقديرُ: إذا أَصْبَحَ المرءُ ثَاقِلًا، والجملةُ مِن أَصْبَحَ المحذوفةِ ومعمولَيْها في مَحَلِّ جرٍّ بإضافةِ (إذا) إليها، (أَصْبَحَ) فِعْلٌ ماضٍ ناقصٌ، واسمُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يعودُ إلى المَرْءُ، (ثاقِلًا) خبرُ أَصْبَحَ، وهذه الجملةُ لا مَحَلَّ لها؛ مُفَسِّرَةٌ.
الشاهِدُ فيه: قولُه: (حَسِبْتُ التُّقَى خَيْرَ تِجَارَةٍ ... إلخ) حيثُ اسْتَعْمَلَ الشاعِرُ فيه (حَسِبْتُ) بمعنى عَلِمْتُ، ونَصَبَ به مفعوليْنِ:
أَوَّلُهما: قولُه: (التُّقَى) .
وثانيهما: قولُه: (خَيْرَ تِجَارَةٍ) على ما بَيَّنَّاهُ في الإعرابِ.