الصفحة 280 من 811

ومثالُ (زَعَمَ) قولُه:

123 -فإنْ تَزْعُمِينِي كُنْتُ أَجْهَلُ فِيكُمُ ... فَإِنِّي شَرَيْتُ الْحِلْمَ بَعْدَكِ بِالْجَهْلِ [1]

(1) هذا البيتُ لأبي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ.

اللغةُ: (أَجْهَلُ) الجَهْلُ هو الخِفَّةُ والسَّفَهُ، (الحِلْمُ) التُّؤَدَةُ والرَّزَانَةُ.

المعنى: لَئِنْ كانَ يَتَرَجَّحُ لَدَيْكِ أني كنتُ مَوْصُوفًا بالنَّزَقِ والطَّيْشِ أيامَ كُنْتُ أُقِيمُ بينَكُم، فإنَّه قد تَغَيَّرَ عندي كلُّ وصفٍ من هذه الأوصافِ، وتَبَدَّلْتُ بها رَزَانَةً وخُلُقًا كَرِيمًا.

الإعرابُ: (إنْ) شرطيَّةٌ، (تَزْعُمِينِي) فعلٌ مضارعٌ فعلُ الشرطِ، مجزومٌ بحذفِ النونِ، وياءُ المخاطَبَةِ فاعلٌ، والنونُ للوقايةِ، وياءُ المتكلِّمِ مفعولٌ أوَّلُ، (كُنْتُ) كانَ: فِعْلٌ ماضٍ ناقصٌ، والتاءُ اسمُه، (أَجْهَلُ) فعلٌ مضارعٌ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ أنا، والجملةُ من أَجْهَلُ وفاعلِه في مَحَلِّ نصبٍ خبرُ كانَ، والجملةُ مِن (كانَ) واسْمِهَا وخبرِها في مَحَلِّ نصبٍ مفعولٌ ثانٍ لِتَزْعُمُ، (فِيكُمُ) جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بأَجْهَلُ، (فإني) الفاءُ واقعةٌ في جوابِ الشرطِ، إنَّ: حرفُ توكيدٍ ونصبٍ، والياءُ اسْمُها، (شَرَيْتُ) فعلٌ وفاعلٌ، والجملةُ من شَرَى وفَاعِلِه في مَحَلِّ رفعٍ خبرُ (إِنَّ) ، والجملةُ مِن إنَّ ومَعْمُولَيْهَا في مَحَلِّ جَزْمٍ جوابُ الشرطِ، (الْحِلْمَ) مفعولٌ به لِشَرَيْتُ، (بَعْدَكِ) بعدَ: ظرفٌ مُتَعَلِّقٌ بشَرَيْتُ، وبعدَ مضافٌ والكافُ ضميرُ المخاطَبَةِ مضافٌ إليه، (بِالْجَهْلِ) جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بِشَرَيْتُ.

الشاهدُ فيه: قولُه: (تَزْعُمِينِي كُنْتُ أَجْهَلُ) حيثُ اسْتَعْمَلَ المضارِعَ من (زَعَمَ) بمعنى فِعْلِ الرُّجْحَانِ، ونَصَبَ به مفعوليْنِ:

أَحَدُهما: ياءُ المتكلِّمِ.

والثاني: جملةُ (كانَ) ومعمولَيْها، على ما ذَكَرْنَاهُ في إعرابِ البيتِ.

واعْلَمْ أنَّ الأكثرَ في (زَعَمَ) أنْ تَتَعَدَّى إلى مَعْمُولَيْهَا بواسطةِ (أنَّ) المؤكِّدَةِ، سواءٌ أَكَانَتْ مُخَفَّفَةً مِن الثقيلةِ، نحوُ قولِه تعالى: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا} ، وقولِهِ سُبْحَانَهُ: {بَلْ زَعَمْتُمْ أَنْ لَنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا} ، أم كانَتْ مُشَدَّدَةً، كما في قولِ عُبَيْدِ اللهِ بنِ عُتْبَةَ:

فَذُقْ هَجْرَهَا قدْ كُنْتَ تَزْعُمُ أنَّهُ ... رَشَادٌ ألاَ يَا رُبَّمَا كَذَبَ الزَّعْمُ

وكما في قَوْلِ كُثَيِّرِ عَزَّةَ:

وقد زَعَمَتْ أَنِّي تَغَيَّرْتُ بَعْدَهَا ... ومَن ذا الذي يَا عَزَّ لا يَتَغَيَّرُ

وهذا الاستعمالُ ـ معَ كثرتِه ـ ليسَ لازمًا، بل قد تَتَعَدَّى (زَعَمَ) إلى المفعوليْنِ بغيرِ توسُّطِ (أنَّ) بينَهما، فمِن ذلك بيتُ الشاهدِ الذي نحن بِصَدَدِهِ، ومنه قولُ أبي أُمَيَّةَ الحَنَفِيِّ، واسمُه أَوْسٌ:

زَعَمَتْنِي شَيْخًا ولَسْتُ بِشَيْخٍ ... إنما الشيخُ مَن يَدِبُّ دَبِيبًا

وزَعَمَ الأَزْهَرِيُّ أنَّ (زَعَمَ) لا تَتَعَدَّى إلى مفعولَيْها بغيرِ توسُّطِ (أنَّ) ، وعندَه أنَّ ما وَرَدَ مِمَّا يُخَالِفُ ذلك ضرورةٌ من ضَرُورَاتِ الشعرِ لا يُقاسُ عليها.

وهو محجوجٌ بما رَوَيْنَا مِن الشواهدِ، وبأنَّ القولَ بالضرورةِ خلافُ الأصلِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت