فهرس الكتاب
فـ (مُبْعَدٌ وحَمِيمٌ) مرفوعانِ بقولِه: (أَسْلَمَاهُ) ، والألفُ في أَسْلَمَاهُ حرفٌ يَدُلُّ على كونِ الفاعلِ اثنيْنِ.
وكذلك (أهلي) مرفوعٌ بقولِهِ: (يَلُومُونَنِي) ، والواوُ حرفٌ يَدُلُّ على الجمعِ، و (الغواني) مرفوعٌ بـ (رَأَيْنَ) ، والنونُ حَرْفٌ يَدُلُّ على جمعِ المؤنَّثِ.
وإلى هذه اللغةِ أشارَ المصنِّفُ بقولِهِ: (وقدْ يُقَالُ سَعِدَا وسَعِدُوا ... إلى آخرِ البيتِ) ، ومعناه: أنه قد يُؤْتَى في الفعلِ المُسْنَدِ إلى الظاهرِ بعلامةٍ تَدُلُّ على التثنيَةِ أو الجمعِ، فأَشْعَرَ قولُه: (وقد يُقالُ) بأنَّ ذلك قليلٌ، والأمرُ كذلك، وإنما قالَ: (والفعلُ للظاهرِ بعدُ مُسْنَدُ) ؛ لِيُنَبِّهَ على أنَّ مثلَ هذا التركيبِ إنما يكونُ قليلًا إذا جَعَلْتَ الفعلَ مسندًا إلى الظاهِرِ الذي بعدَه، وأمَّا إذا جَعَلْتَه مسندًا إلى المتَّصِلِ به من الألفِ والواوِ والنونِ وجَعَلْتَ الظاهرَ مبتدأً أو بَدَلًا من الضميرِ، فلا يكونُ ذلك قليلًا.
وهذه اللغةُ القليلةُ هي التي يُعَبِّرُ عنها النَّحْوِيُّونَ بلغةِ (أَكَلُونِي البَرَاغِيثُ) ، ويُعَبِّرُ عنها المصنِّفُ في كُتُبِه بلغةِ (( يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ ) ) [1] ، فـ (البراغيثُ) فاعلُ (أَكَلُونِي) ، و (ملائكةٌ) فاعلُ (يَتَعَاقَبُونَ) ، هكذا زَعَمَ المصنِّفُ.
ويَرْفَعُ الفاعلَ فِعْلٌ أُضْمِرَا ... كمِثْلِ زَيْدٌ في جَوَابِ مَن قَرَا [2]
(1) قدِ اسْتَشْهَدَ ابنُ مَالِكٍ على هذه اللغةِ بهذا الحديثِ، وذلك على اعتبارِ أنَّ الواوَ في (يَتَعَاقَبُونَ) علامةُ جمعِ الذكورِ، و (ملائكةٌ) وهو الفاعلُ مذكورٌ بعدَ الفعلِ المتَّصِلِ بالواوِ، وقد تَكَلَّمَ على هذا الاستدلالِ قومٌ مِن المؤلِّفِينَ، وقالوا: إن هذه الجملةَ قِطْعَةٌ مِن حديثٍ مُطَوَّلٍ، وقد رَوَى هذه القِطْعَةَ مالِكٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ في (المُوَطَّأِ) ، وأصلُه: (( إِنَّ لِلَّهِ مَلاَئِكَةً يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ: مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ، وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ ) )، فإذا نَظَرْتَ إلى الحديثِ المُطَوَّلِ كانَتِ الواوُ في (يَتَعَاقَبُونَ) ليسَتْ علامةً على جمعِ الذكورِ، ولكنَّها ضميرُ جماعةِ الذكورِ، وهي فاعلٌ، وجملةُ الفعلِ وفاعلِه صفةٌ لملائكةً الواقِعِ اسمَ إنَّ.
و (ملائكةٌ) المرفوعُ بعدَه ليسَ فاعلًا، ولكنه من جملةٍ مستأنَفةٍ، القصدُ منها تفصيلُ ما أُجْمِلَ أَوَّلًا، فهو خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، ولأنَّه قد وَرَدَ هذا الكلامُ على هذا الاستدلالِ تَجِدُ الشارِحَ يقولُ في آخِرِ تقريرِه: (هكذا زَعَمَ المصنِّفُ) ؛ يريدُ أنْ يَبْرَأَ من تَبِعَتِهِ، ولقائلٍ أنْ يقولَ: إنَّ الاستدلالَ بالقِطْعَةِ التي رَوَاهَا مالكُ بنُ أَنَسٍ في (المُوَطَّأِ) بدونِ الْتِفَاتٍ على الحديثِ المُطَوَّلِ المرويِّ في روايةٍ أُخْرَى.
(2) (ويَرْفَعُ) فعلٌ مضارعٌ، (الفَاعِلَ) مفعولٌ به لِيَرْفَعُ، (فِعْلٌ) فاعلُ يَرْفَعُ، (أُضْمِرَا) فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمجهولِ، ونائبُ الفاعلِ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يعودُ إلى فِعْلٌ، والجملةُ مِن أُضْمِرَ ونائبِ فاعلِه في مَحَلِّ رفعٍ صفةٌ لفِعْلٌ، (كمِثْلِ) الكافُ زائدةٌ، مِثْلِ: خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ، (زَيْدٌ) فاعلٌ بفِعْلٍ محذوفٍ، والتقديرُ: قَرَأَ زيدٌ، (في جوابِ) جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ حالٍ مِن زَيْدٌ، (مَن) اسمُ استفهامٍ مبتدأٌ، (قَرَا) فِعْلٌ ماضٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يعودُ إلى مَن الاستفهاميَّةِ الواقعةِ مبتدأً، والجملةُ في مَحَلِّ رفعٍ خبرُ المبتدأِ.