فهرس الكتاب
إذا دَلَّ دليلٌ على الفعلِ جازَ حَذْفُه وإبقاءُ فاعلِه؛ كما إذا قِيلَ لكَ: (مَن قرَأَ؟) فتقولُ: (زيدٌ) ، التقديرُ: (قَرَأَ زيدٌ) .
وقد يُحْذَفُ الفعلُ وُجُوبًا؛ كقولِه تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ} فـ (أحدٌ) فاعلٌ بفعلٍ محذوفٍ وجوبًا، والتقديرُ: (وإنِ اسْتَجَارَكَ أحدٌ اسْتَجَارَكَ) ، وكذلك كلُّ اسمٍ مرفوعٍ وَقَعَ بعدَ (إنْ) أو (إذا) فإنَّه مرفوعٌ بفعلٍ محذوفٍ وُجُوبًا.
ومثالُ ذلك في (إذا) قولُه تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} ، فـ (السماءُ) فاعلٌ بفعلٍ محذوفٍ، والتقديرُ: (إذا انْشَقَّتِ السماءُ انْشَقَّتْ) ، وهذا مَذْهَبُ جمهورِ النحْويِّينَ [1] ، وسيأتي الكلامُ على هذه المسألةِ في بابِ الاشتغالِ إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
(1) خُلاصَةُ القولِ في هذه المسألةِ أنَّ فيها ثلاثةَ مَذَاهِبَ:
أَوَّلُها: مَذْهَبُ جمهورِ البَصْرِيِّينَ، وحاصلُه أنَّ الاسمَ المرفوعَ بعدَ إنْ وإذا الشرطيتيْنِ فاعلٌ بفعلٍ محذوفٍ وُجُوبًا يُفَسِّرُه الفعلُ المذكورُ بعدَه، وهو الذي قَرَّرَهُ الشارِحُ.
والمذهَبُ الثاني: مذهَبُ جمهورِ النُّحَاةِ الكُوفِيِّينَ، وحاصلُه أنَّ هذا الاسمَ المرفوعَ بعدَ إنْ وإذا الشرطيتيْنِ فاعلٌ بنفسِ المذكورِ بعدَه، وليسَ في الكلامِ محذوفٌ يُفَسِّرُه.
والمذهَبُ الثالِثُ: مَذْهَبُ أبي الحَسَنِ الأَخْفَشِ، وحاصِلُه أنَّ الاسمَ المرفوعَ بعدَ إنْ وإذا الشرطيتيْنِ مبتدأٌ، وأنَّ الفعلَ المذكورَ بعدَه مُسْنَدٌ إلى ضميرٍ عائدٍ على ذلك الاسمِ، والجملةُ من ذلك الفعلِ وفاعلِه المضمَرِ فيه في مَحَلِّ رفعٍ خبرُ المبتدأِ، فلا حذفَ ولا تقديمَ ولا تأخيرَ.
فأمَّا سَبَبُ هذا الاختلافِ فيَرْجِعُ إلى أمريْنِ:
الأَمْرُ الأوَّلُ: هل يَجُوزُ أنْ تَقَعَ الجملةُ الاسميَّةُ بعدَ أدواتِ الشرطِ؟ فالجمهورُ مِن الكُوفِيِّينَ والبَصْرِيِّينَ على أنه لا يجوزُ ذلك، ولو وَقَعَ في الكلامِ ما ظاهرُه ذلك فهو مُؤَوَّلٌ بتقديرِ الفعلِ مُتَّصِلًا بالأداةِ، غيرَ أنَّ البَصْرِيِّينَ قالُوا: الفعلُ المقدَّرُ اتِّصَالُه بالأداةِ هو فعلٌ محذوفٌ يُرْشِدُ إليه الفعلُ المذكورُ. وأما الكُوفِيُّون فقالوا: الفعلُ المقدَّرُ اتِّصَالُه بالأداةِ هو نفسُ الفعلِ المذكورِ بعدَ الاسمِ.
وذهَبَ أبو الحَسَنِ الأخفشُ إلى أنه يجوزُ في إنْ وإذا خاصَّةً ـ من دونِ سائرِ أدواتِ الشرطِ ـ أنْ تَقَعَ بعدَهما الجملُ الاسميَّةُ، وعلى هذا لسنا في حاجةٍ إلى تقديرِ محذوفٍ ولا إلى جعلِ الكلامِ على التقديمِ والتأخيرِ.
والأمرُ الثاني: هل يجوزُ أنْ يَتَقَدَّمَ الفاعلُ على فِعْلِه؟
فذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى جوازِ ذلك؛ ولهذا جَعَلُوا الاسمَ المرفوعَ بعدَ الأداتيْنِ فاعلًا بذلك الفعلِ المتأخِّرِ، وذَهَبَ جمهورُ البَصْرِيِّينَ إلى أن الفاعلَ لا يجوزُ أنْ يَتَقَدَّمَ على رافعِه ـ فعلًا كانَ هذا الرافعُ أو غيرَ فِعْلٍ ـ فلهذا اضْطُرُّوا إلى تقديرِ فعلٍ محذوفٍ يُفَسِّرُه الفعلُ المذكورُ لِيَرْتَفِعَ به ذلك الاسمُ.
وقد نَسَبَ جماعةٌ مِن مُتَأَخِّرِي المؤلِّفِينَ ـ كالعلاَّمَةِ الصَّبَّانِ ـ مَذْهَبَ الأخفشِ إلى الكُوفِيِّينَ، والصوابُ ما قَدَّمْنَا ذِكْرَه.
وبعدُ، فانْظُرْ ما يأتي لنا تَحْقِيقُه في شَرْحِ الشاهدِ 157 الآتي.