فهرس الكتاب
تَعَدِّي الفعلِ ولُزُومُه
علامةُ الفِعْلِ المُعَدَّى أَنْ تَصِلْ ... هَا غَيْرِ مَصْدَرٍ بِهِ، نَحْوُ عَمِلْ [1]
يَنْقَسِمُ الفعلُ إلى مُتَعَدٍّ ولازِمٍ؛ فالمُتَعَدِّي هو الذي يَصِلُ إلى مفعولِه بغيرِ حرفِ جرٍّ، نحوُ: (ضَرَبْتُ زَيْدًا) ، واللازمُ ما ليسَ كذلكَ، وهو ما لا يَصِلُ إلى مفعولِه إلا بحرفِ جرٍّ [2] ، نحوُ: (مَرَرْتُ بِزَيْدٍ) أو لا مفعولَ له، نحوُ: (قامَ زيدٌ) ويُسَمَّى ما يَصِلُ إلى مفعولِه بنفسِه فِعْلًا مُتَعَدِّيًا وواقِعًا ومُجَاوِزًا، وما ليسَ كذلك يُسَمَّى لازمًا وقاصرًا وغيرَ مُتَعَدٍّ، ويُسَمَّى مُتَعَدِّيًا بحرفِ جرٍّ.
وعلامةُ الفِعْلِ المُتَعَدِّي أنْ تَتَّصِلَ به هاءٌ تَعُودُ على غيرِ المصدرِ، وهي هاءُ المفعولِ به، نحوُ: (البابُ أَغْلَقْتُهُ) .
واحْتَرَزَ بهاءِ غيرِ المصدرِ من هاءِ المصدرِ؛ فإنَّها تَتَّصِلُ بالمتعدِّي واللازِمِ، فلا تَدُلُّ على تَعَدِّي الفعلِ، فمثالُ المتَّصِلَةِ بالمتعدِّي: (الضَّرْبُ ضَرَبْتُهُ زَيْدًا) ؛ أي: ضَرَبْتُ الضربَ زَيْدًا، ومثالُ المُتَّصِلَةِ باللازِمِ: (القيامُ قُمْتُهُ) ؛ أي: قُمْتُ القيامَ.
فانْصِبْ بِهِ مفعولَه إنْ لم يَنُبْ ... عن فاعلٍ نَحْوُ: تَدَبَّرْتُ الْكُتُبْ [3]
(1) (علامةُ) مبتدأٌ، وعلامةُ مضافٌ و (الفِعْلِ) مُضَافٌ إليهِ، (المُعَدَّى) نعتٌ للفِعْلِ، (أنْ) مَصْدَرِيَّةٌ، (تَصِلْ) فِعْلٌ مُضَارِعٌ منصوبٌ بأنْ، وسُكِّنَ للوَقْفِ، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُه أنتَ، و (أنْ) وما دَخَلَتْ عليه في تأويلِ مصدرٍ مرفوعٍ خبرٍ للمبتدأِ، والتقديرُ: علامةُ الفعلِ المُعَدَّى وَصْلُكَ به ها ... إلخ، (ها) مفعولٌ به لِتَصِلْ، وها مضافٌ و (غَيْرِ) مُضَافٌ إليهِ، وغيرِ مضافٌ و (مَصْدَرٍ) مُضَافٌ إليهِ، (به) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بتَصِلْ، (نَحْوُ) خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أي: وذلك نَحْوُ، ونحوُ مضافٌ و (عَمِلْ) قُصِدَ لَفْظُه: مُضَافٌ إليهِ.
(2) أَكْثَرُ النُّحَاةِ على أنَّ الفِعْلَ مِن حَيْثُ التعدِّي واللزومُ يَنْقَسِمُ إلى قِسْمَيْنِ: المُتَعَدِّي، واللازِمُ، ولا ثالِثَ لهما، وعبارةُ الناظِمِ والشارِحِ تَدُلُّ على أنهما يذهبانِ هذا المذهَبَ، ألاَ تَرَى أنَّ الناظِمَ يقولُ: (ولازِمٌ غيرُ المُعَدَّى) ، والشارِحَ يقولُ: (واللازِمُ ما ليسَ كذلك) ، وذلك يَدُلُّ على أنَّ كلَّ فِعْلٍ ليسَ بِمُتَعَدٍّ فهو لازِمٌ، فيَدُلُّ على انْحِصَارِ التقسيمِ في القِسْمَيْنِ.
ومن العلماءِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الفِعْلَ من هذه الجِهَةِ يَنْقَسِمُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ: الأَوَّلُ: المُتَعَدِّي، والثاني: اللازِمُ، والثالِثُ: ما ليسَ بِمُتَعَدٍّ ولا لازِمٍ، وجَعَلُوا من هذا القِسْمِ الثالِثِ الأخيرِ (كانَ) وأَخَوَاتِها؛ لأنَّها لا تَنْصِبُ المفعولَ به ولا تَتَعَدَّى إليه بحرفِ الجرِّ، كما مَثَّلُوا له ببعضِ الأفعالِ التي وَرَدَتْ تَارَةً متعدِّيَةً إلى المفعولِ به بنَفْسِها، وتَارَةً أُخْرَى مُتَعَدِّيَةً إليه بحرفِ الجرِّ، نحوُ: شَكَرْتُهُ وشَكَرْتُ له، ونَصَحْتُه ونَصَحْتُ له، وما أَشْبَهَهُما. وقد يقالُ: إنَّ (كانَ) لَيْسَتْ خارِجَةً عن القسميْنِ، بل هي مُتَعَدِّيَةٌ، وهذا جوابٌ بتحريرِ معنى كلِّ قِسْمٍ، وحِينَئِذٍ يكونُ المرادُ من المفعولِ به هو أو ما أَشْبَهَه؛ كخبَرِ كانَ، أو يكونُ الجوابُ بتحريرِ مَوْضِعِ التقسيمِ، وعلى هذا يقالُ: إنَّ المُقَسَّمَ هو الأفعالُ التامَّةُ، فلَيْسَتْ (كانَ) وأَخَوَاتُها من مَوْضِعِ التقسيمِ حتى يَلْزَمَ دُخُولُها في أحدِ القِسْمَيْنِ، كما أنه قد يقالُ: إنَّ نَحْوَ (شَكَرْتُه وشَكَرْتُ له) لم تَخْرُجْ عن أحدِ القِسْمَيْنِ، بل هي إما مُتَعَدِّيَةٌ، وحرفُ الجرِّ في (شَكَرْتُ له) زائدٌ، أو لازِمَةٌ، ونَصْبُها للمفعولِ به في (شَكَرْتُه) على نَزْعِ الخافِضِ.
(3) (فانْصِبْ) فِعْلُ أَمْرٍ، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُه أنتَ، (به) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بانْصِبْ، (مَفْعُولَهُ) مفعولَ: مفعولٌ به لانْصِبْ، ومفعولَ مضافٌ والهاءُ مُضَافٌ إليهِ، (إِنْ) شَرْطِيَّةٌ، (لم) نافيةٌ جازمةٌ، (يَنُبْ) فِعْلٌ مُضَارِعٌ، جملتُه فِعْلُ الشرطِ، مجزومٌ بلم، والفاعلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُه هو يعودُ إلى مفعولَه، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ، والتقديرُ: إنْ لم يَنُبْ مفعولُه عن فاعلٍ فانْصِبْه به، (عن فاعلٍ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِيَنُبْ، (نحوُ) خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أي: وذلك نحوُ، (تَدَبَّرْتُ) فِعلٌ وفاعلٌ، (الكُتُبْ) مفعولٌ به، ونحوُ مضافٌ والجملةُ من الفعلِ الماضي ـ وهو تَدَبَّرْتُ ـ وفاعلِه ومفعولِه في مَحَلِّ جرٍّ مُضَافٌ إليهِ، والمرادُ بالمفعولِ في قَوْلِهِ: (فانْصِبْ به مفعولَه) هو المفعولُ به؛ لأمريْنِ: أَحَدُهما: أنَّ المفعولَ عندَ الإطلاقِ هو المفعولُ به، وأمَّا بقيَّةُ المفاعيلِ فلا بُدَّ فيها من التقييدِ، تقولُ: المفعولُ معَه، والمفعولُ لأجلِه، والمفعولُ فيه، والمفعولُ المُطْلَقُ. وثانيهما: أنَّ الذي يَخْتَصُّ به الفعلُ المُتَعَدِّي هو المفعولُ به، فأمَّا غَيْرُهُ من المفاعيلِ فيَشْتَرِكُ في نصبِه المُتَعَدِّي واللازِمُ، تقولُ: ضَرَبْتُ ضَرْبًا، وقُمْتُ قِيامًا، وتقولُ: ذَاكَرْتُ والمِصْبَاحَ، وسِرْتُ والنِّيلَ، وتقولُ: ضَرَبْتُ ابْنِي تَأْدِيبًا، وقُمْتُ إجلالًا للأميرِ، وتقولُ: لَعِبْتُ الكُرَةَ أَصِيلًا، وخَرَجْتُ مِن المَلْعَبِ لَيْلًا.