الصفحة 388 من 811

وظاهرُ كلامِ المصنِّفِ أنه لا يَنْصِبُه إلاَّ الواقعُ فيه فقطْ، وهو المصدرُ، وليسَ كذلك؛ بل يَنْصِبُه هو وغيرُه؛ كالفِعْلِ والوصفِ [1] .

والناصِبُ له إمَّا مذكورٌ؛ كما مُثِّلَ، أو محذوفٌ جوازًا، نحوُ أنْ يُقالَ: (متى جِئْتَ؟) فتقولَ: (يومَ الجُمُعَةِ) ، و (كمْ سِرْتَ؟) فتقولَ: (فَرْسَخَيْنِ) ، والتقديرُ: (جِئْتُ يومَ الجُمُعَةِ، وسِرْتُ فَرْسَخَيْنِ) .

أو وُجُوبًا؛ كما إذا وَقَعَ الظرفُ صِفَةً، نحوُ: (مَرَرْتُ برَجُلٍ عندَكَ) ، أو صِلَةً، نحوُ: (جاءَ الذي عندَكَ) ، أو حالًا، نحوُ: (مَرَرْتُ بِزَيْدٍ عِنْدَكَ) ، أو خَبَرًا في الحالِ أو في الأصلِ، نحوُ: (زَيْدٌ عِنْدَكَ وظَنَنْتُ زَيْدًا عِنْدَكَ) .

فالعامِلُ في هذه الظروفِ محذوفٌ وُجُوبًا في هذه المواضِعِ كلِّها، والتقديرُ في غيرِ الصلةِ: (اسْتَقَرَّ) أو (مُسْتَقِرٌّ) ، وفي الصلةِ اسْتَقَرَّ؛ لأنَّ الصلةَ لا تكونُ إلا جملةً، والفعلُ معَ فاعلِه جملةٌ، واسمُ الفاعلِ معَ فاعلِه ليسَ بجملةٍ [2] . واللهُ أعلَمُ.

وكلُّ وَقْتٍ قَابِلٌ ذَاكَ وَمَا ... يَقْبَلُهُ الْمَكَانُ إِلاَّ مُبْهَمَا [3]

نحوُ الجِهَاتِ والمقاديرِ ومَا ... صِيغَ مِنَ الْفِعْلِ كَمَرْمًى مِنْ رَمَى [4]

(1) اعْلَمْ أنَّ الذي يَقَعُ في الظرفِ هو الحَدَثُ، فإذا قُلْتَ لأحدٍ: (جَلَسْتُ أمامَكَ) ، فالجلوسُ ـ وهو الحَدَثُ ـ هو الذي وَقَعَ أمامَكَ، وكذلك إذا قُلْتَ: (أنا جالِسٌ أمامَكَ) ، وكذلك إذا قُلْتَ: (كانَ جُلُوسِي أَمَامَكَ) .

واعْلَمْ أيضًًا أنَّ المصدرَ يَدُلُّ على الحَدَثِ بدَلالةِ المطابَقَةِ؛ لأنَّ كلَّ معناهُ هو الحَدَثُ، والفعلُ والصفةُ يَدُلاَّنِ على الحدثِ بدَلالةِ التضمُّنِ؛ لأنَّ الفعلَ معناه الحَدثُ والزمانُ، والصفةُ معناها الذاتُ والحَدَثُ القائِمُ بها أو الواقعُ عليها أو الثابتُ لها، والناظِمُ لم يُصَرِّحْ بأنه أرادَ أن الذي يَنْصِبُ الظرفَ هو اللفظُ الدالُّ على الحدثِ بالمطابقةِ، بل كلامُه يَصِحُّ أنْ يُحْمَلَ على ما يَدُلُّ بالمطابقةِ أو بالتضمُّنِ، فيكونُ شَامِلًا للمصدرِ والفعلِ والوصفِ، وعلى هذا لا يَرِدُ اعتراضُ الشارِحِ أَصْلًا.

(2) ذكَرَ الشارِحُ أربعةَ مواضِعَ يَجِبُ فيها حذفُ العاملِ في الظرفِ، وهي: أنْ يكونَ صفةً، أو صِلَةً، أو خَبَرًا، أو حالًا، وبَقِيَ عليه موضعانِ آخرانِ:

الأوَّلُ: أنْ يكونَ الظرفُ مَشْغُولًا عنه، كقولِكَ: يومُ الجُمُعَةِ سَافَرْتُ فيه، والتقديرُ: سَافَرْتُ يومَ الجُمُعَةِ سَافَرْتُ فيه، ولا يجوزُ إظهارُ هذا العاملِ؛ لأنَّ المتأخِّرَ عِوَضٌ عنه، ولا يُجْمَعُ بينَ العِوَضِ والمُعَوَّضِ في الكلامِ.

الثاني: أنْ يكونَ الكلامُ قد سُمِعَ بحذفِ العاملِ، نحوُ قولِكَ لِمَن يَذْكُرُ أمرًا قد قَدُمَ عليه العهدُ: حِينَئِذٍ الآنَ، وتقديرُ الكلامِ: قد حَدَثَ ما تَذْكُرُ حينَ إذْ كانَ كذا، واسْمَعِ الآنَ، فناصِبُ (حِينَ) عاملٌ، وناصِبُ (الآنَ) عاملٌ آخَرُ، فهما من جملتيْنِ لا مِن جملةٍ واحدةٍ، والمقصودُ نَهْيُ المخاطَبِ عن الخوْضِ فيما يَذْكُرُه، وأَمْرُه بالاستماعِ إلى حَدِيثٍ جَدِيدٍ.

(3) (وكلُّ) مبتدأٌ، وكلُّ مضافٌ و (وَقْتٍ) مُضَافٌ إليهِ، (قابِلٌ) خبرُ المُبْتَدَأِ، وهو اسمُ فاعلٍ يَعْمَلُ عَمَلَ الفعلِ، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه، (ذَاكَ) ذا: اسمُ إشارةٍ مفعولٌ به لقابِلٌ، والكافُ حرفُ خِطابٍ، (وما) نافيةٌ، (يَقْبَلُهُ) يَقْبَلُ: فِعْلٌ مُضَارِعٌ، والهاءُ مفعولٌ به لِيَقْبَلُ، (المكانُ) فاعلُ يَقْبَلُ، (إلاَّ) حرفُ استثناءٍ دالٌّ على الحَصْرِ، (مُبْهَمَا) حالٌ، والتقديرُ: لا يَقْبَلُ النصبَ على الظرفيَّةِ اسمُ المكانِ في حالٍ مِن الأحوالِ إلاَّ في حالِ كَوْنِهِ مُبْهَمًا.

(4) (نحوُ) خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أي: وذلك نحوُ، ونحوُ مضافٌ و (الجهاتِ) مُضَافٌ إليهِ، (والمقاديرِ) مَعْطُوفٌ على الجِهَاتِ، (وما) الواوُ عاطفةٌ، ما: اسمٌ مَوْصُولٌ مَعْطُوفٌ على الجِهَاتِ، (صِيغَ) فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ للمجهولِ، ونائبُ الفاعلِ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُه هو يعودُ إلى ما، والجملةُ مِن الفعلِ ونائبِ الفاعلِ لا مَحَلَّ لها صِلَةٌ، (من الفِعْلِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بصِيغَ، (كَمَرْمًى) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خَبَرٍ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، (مِن رَمَى) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ حالٌ مِن مَرْمًى، وتقديرُ الكلامِ: وذلك كائنٌ كمَرْمًى حالَ كَوْنِهِ مأخوذًا من مَصْدَرِ رَمَى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت