فهرس الكتاب
يعني: أنَّ اسمَ الزمانِ يَقْبَلُ النصبَ على الظرفيَّةِ [1] : مُبْهَمًا كانَ، نحوُ: (سِرْتُ لَحْظَةً وساعةً) ، أو مُخْتَصًّا؛ إمَّا بإضافةٍ، نحوُ: (سِرْتُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) ، أو بوصفٍ، نحوُ: (سِرْتُ يَوْمًا طَوِيلًا) ، أو بعددٍ، نحوُ: (سِرْتُ يَوْمَيْنِ) .
وأمَّا اسمُ المكانِ فلا يَقْبَلُ النصبَ مِنه إلا نوعانِ: أَحَدُهما: المُبْهَمُ، والثاني: ما صِيغَ مِن المصدرِ بشرطِه الذي سَنَذْكُرُه، والمُبْهَمُ كالجِهَاتِ الستِّ، نحوُ: (فوقَ وتحتَ ويَمِينَ وشِمالَ وأمامَ وخلفَ) ، ونحوُ هذا كالمقاديرِ، نحوُ: (غَلْوَةٍ ومِيلٍ وفَرْسَخٍ وبَرِيدٍ) [2] ، تقولُ: (جَلَسْتُ فوقَ الدارِ وسِرْتُ غَلْوَةً) ، فتَنْصِبُهما على الظرفيَّةِ.
وأمَّا ما صِيغَ مِن المصدرِ، نحوُ: (مَجْلِسَ زَيْدٍ، ومَقْعَدَهُ) ، فشَرْطُ نَصْبِه قِياسًا أنْ يكونَ عاملُه مِن لفظِه، نحوُ: (قَعَدْتُ مَقْعَدَ زيدٍ، وجَلَسْتُ مَجْلِسَ عَمْرٍو) ، فلو كانَ عاملُه من غيرِ لفظِه تَعَيَّنَ جَرُّهُ بفي، نحوُ: (جَلَسْتُ في مَرْمَى زيدٍ) ، فلا تقولُ: (جَلَسْتُ مَرْمَى زَيْدٍ) إلاَّ شُذُوذًا.
ومِمَّا وَرَدَ مِن ذلك قولُهم: (هو مِنِّي مَقْعَدَ القَابِلَةِ، ومَزْجَرَ الكلبِ، ومَنَاطَ الثُّرَيَّا) [3] ؛ أي: كائنٌ مَقْعَدَ القابلةِ، ومَزْجَرَ الكلبِ، ومَنَاطَ الثُّرَيَّا، والقياسُ: (هو مِنِّي في مَقْعَدِ القابلةِ، وفي مَزْجَرِ الكلبِ، وفي مَنَاطِ الثُّرَيَّا) ، ولكِنْ نُصِبَ شُذُوذًا، ولا يُقاسُ عليه، خِلافًا للكِسَائِيِّ، وإلى هذا أشارَ بقولِه:
وشَرْطُ كونِ ذَا مَقِيسًا أَنْ يَقَعْ ... ظَرْفًا لِمَا في أَصْلِهِ مَعْهُ اجْتَمَعْ [4]
(1) أنتَ تَعْلَمُ أنَّ الفِعْلَ يَدُلُّ بالوضعِ على شيئيْنِ:
أَحَدُهما: الحَدَثُ. وثانيهما: الزمنُ، ويَدُلُّ على المكانِ بِدَلالةِ الالتزامِ؛ لأنَّ كلَّ حَدَثٍ يَقَعُ في الخارِجِ لا بُدَّ أنْ يكونَ وُقُوعُه في مكانٍ ما.
فلَمَّا كانَتْ دَلالةُ الفعلِ على الزمانِ؛ لأنَّه أَحَدُ جُزْأَيْ معناه الوضعيِّ قَوِيَ على نصبِ ظرفِ الزمانِ بِنَوْعَيْهِ المُبْهَمِ والمُخْتَصِّ، ولَمَّا كانَتْ دَلالَتُه على المكانِ بالالتزامِ لا بالوَضْعِ لم يَقْوَ على نصبِ جميعِ الأسماءِ الدالَّةِ على المكانِ، بل تَعَدَّى إلى المُبْهَمِ منه لكونِه دالاًّ عليه في الجملةِ، وإلى اسمِ المكانِ المأخوذِ مِن مادَّتِهِ؛ لكونِهِ بالنظرِ إلى المادَّةِ قَوِيَّ الدَّلالةِ على هذا النوعِ.
(2) الغَلْوَةُ ـ بفتحِ الغينِ المعجمةِ وسكونِ اللامِ ـ فَسَّرَها المُتَقَدِّمُونَ بالبَاعِ مائةَ باعٍ، والبَاعُ: مِقْدَارُ ما بينَ أصابعِ يَدَيْكَ إذا مَدَدْتَهُمَا مُحَاذِيَتَيْنِ لِصَدْرِكَ، ومنهم مَن قَدَّرَ الغَلْوَةَ بِرَمْيَةِ سَهْمٍ، ومِنهم مَن قَدَّرَها بِثَلاثِمائَةِ ذِراعٍ، والمِيلُ: عَشْرُ غَلَوَاتٍ، فهو أَلْفُ باعٍ، والفَرْسَخُ: ثلاثةُ أميالٍ، والبَرِيدُ: أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ.
(3) يقولُ العربُ: (فلانٌ مِنِّي مَقْعَدَ القَابِلَةِ) يُرِيدُونَ أنه قَرِيبٌ كقُرْبِ مكانِ قُعُودِ القابلةِ عِنْدَ وِلادةِ المرأةِ مِن المرأةِ، ويقولون: (فلانٌ مِنِّي مَزْجَرَ الكلبِ) يريدون أنه بَعِيدٌ كبُعْدِ المكانِ الذي يُزْجَرُ إليه الكلبُ، ويُرادُ بهذا الذَّمُّ، ويقولون: (فلانٌ مِنِّي مَنَاطَ الثُّرَيَّا) يريدون أنه في مكانٍ بعيدٍ كبُعْدِ الثُّرَيَّا عَمَّن يَرُومُ أنْ يَتَّصِلَ بها، وهذا كِنايةٌ عن عَدَمِ إدراكِه في الشرَفِ والرِّفْعَةِ، يعني: أنه فَرِيدٌ في شَرَفِهِ ورِفْعَةِ قَدْرِهِ.
(4) (وشَرْطُ) مبتدأٌ، وشرطُ مضافٌ و (كونِ) مُضَافٌ إليهِ، وكونِ مضافٌ و (ذَا) مُضَافٌ إليهِ، مِن إضافةِ المصدرِ الناقِصِ إلى اسمِه، (مَقِيسًا) خَبَرُ الكونِ الناقِصِ، (أنْ) مَصْدَرِيَّةٌ، (يقَعُ) فِعْلٌ مُضَارِعٌ منصوبٌ بأنْ، وسَكَّنَهُ للوَقْفِ، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُه هو يعودُ إلى ذا الذي هو إشارةٌ للمأخوذِ مِن مصدرِ الفعلِ، و (أنْ) ومَنْصُوبُها في تأويلِ مصدرٍ خبرُ المُبْتَدَأِ، (ظَرْفًا) حالٌ مِن فاعلِ يَقَعَ المُسْتَتِرِ فيه، (لِمَا) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِهِ: (ظَرْفًا) أو بمحذوفٍ صِفَةٌ له، (في أَصْلِهِ مَعْهُ) جارٌّ ومجرورٌ وظرفٌ، مُتَعَلِّقَانِ باجْتَمَعَ الآتي، (اجْتَمَع) فِعْلٌ ماضٍ، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُه هو يعودُ إلى ما الموصولةِ، والجملةُ مِن اجْتَمَعَ وفاعِلِهِ لا مَحَلَّ لها، صلةُ (ما) المجرورةِ مَحَلاًّ باللامِ.