الصفحة 390 من 811

أي: وشَرْطُ كونِ نَصْبِ ما اشْتُقَّ مِن المصدرِ مَقِيسًا أنْ يَقَعَ ظَرْفًا لِمَا اجْتَمَعَ معَه في أصلِه؛ أي: أنْ يَنْتَصِبَ بِمَا يُجَامِعُه في الاشتقاقِ مِن أصلٍ واحدٍ؛ كمُجَامَعَةِ: (جَلَسْتُ) بـ (مَجْلِسٍ) في الاشتقاقِ مِن الجُلُوسِ، فأَصْلُهما واحدٌ، وهو: (الجُلُوسُ) .

وظاهِرُ كلامِ المصنِّفِ أنَّ المقاديرَ، وما صِيغَ مِن المصدرِ مُبهمانِ، أمَّا المقاديرُ فمَذْهَبُ الجمهورِ أنها من الظروفِ المُبْهَمَةِ؛ لأنَّها وإنْ كانَتْ معلومةَ المقدارِ فهي مجهولةُ الصفةِ، وذَهَبَ الأستاذُ أبو عَلِيٍّ الشَّلَوْبِينُ إلى أنها لَيْسَتْ مِن الظروفِ المُبْهَمَةِ؛ لأنَّها معلومةُ المِقْدَارِ، وأمَّا ما صِيغَ مِن المصدرِ فيكونُ مُبهمًا، نحوُ: (جَلَسْتُ مَجْلِسًا) ، ومُخْتَصًّا، نحوُ: (جَلَسْتُ مَجْلِسَ زَيْدٍ) .

وظاهِرُ كلامِه أيضًا أنَّ (مَرْمًى) مُشْتَقٌّ مِن رَمَى، وليسَ هذا على مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ؛ فإنَّ مَذْهَبَهُم أنه مُشْتَقٌّ مِن المصدرِ، لا مِن الفِعْلِ.

وإذا تَقَرَّرَ أنَّ المكانَ المُخْتَصَّ، وهو ما له أَقْطَارٌ تَحْوِيهِ، لا يَنْتَصِبُ ظَرْفًا، فاعْلَمْ أنه سُمِعَ نصبُ كلِّ مكانٍ مُخْتَصٍّ معَ (دَخَلَ وسَكَنَ) ، ونَصْبُ (الشأمِ) معَ (ذَهَبَ) نحوُ: (دَخَلْتُ البيتَ وسَكَنْتُ الدارَ وذَهَبْتُ الشَّأْمَ) ، واخْتَلَفَ الناسُ في ذلك؛ فقيلَ: هي منصوبةٌ على الظرفيَّةِ شُذُوذًا. وقيلَ: منصوبةٌ على إسقاطِ حرفِ الجرِّ، والأصلُ: (دَخَلْتُ في الدارِ) ، فحُذِفَ حرفُ الجرِّ فانْتَصَبَ (الدارَ) ، نحوُ: (مَرَرْتُ زَيْدًا) ، وقيلَ: منصوبةٌ على التشبيهِ بالمفعولِ به [1] .

(1) في هذه المسألةِ أربعةُ أقوالٍ للنحاةِ، ذكَرَ الشارِحُ مِنها ثلاثةً:

الأوَّلُ: أنَّ هذه الظروفَ المُخْتَصَّةَ منصوبةٌ على الظرفيَّةِ؛ كما انْتَصَبَ الظرفُ المكانِيُّ المُبْهَمُ عليها، إلاَّ أنَّ ذلك شاذٌّ لا يُقَاسُ عليه، وهو مَذْهَبُ المُحَقِّقِينَ مِن النُّحَاةِ، ونَسَبَه الشَّلَوْبِينُ للجمهورِ، وصَحَّحَهُ ابنُ الحاجِبِ.

الثاني: أنَّ هذه الأسماءَ منصوبةٌ على إسقاطِ حرفِ الجرِّ، يعني على الحَذْفِ والإيصالِ، كما انْتَصَبَ (الطريقَ) في قولِ الشاعِرِ، (وانْظُرِ الشاهِدَ رَقْمَ 159) .

لَدْنٌ بِهَزِّ الْكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ ... فِيهِ كَمَا عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ

وهذا مَذْهَبُ الفَارِسِيِّ، ومِن العلماءِ مَن يَنْسُبُه إلى سِيبَوَيْهِ، وقد اخْتَارَهُ ابنُ مَالِكٍ.

الثالثُ: أنَّ هذه الأسماءَ منصوبةٌ على التشبيهِ بالمفعولِ به؛ وذلك لأنَّهم شَبَّهُوا الفعلَ القاصِرَ بالفعلِ المُتَعَدِّي، كما نَصَبُوا الاسمَ بعدَ الصفةِ المشبَّهَةِ التي لا تُؤْخَذُ إلاَّ مِن مصدرِ الفعلِ القاصِرِ، وهذا إنما يَتِمُّ لو أنَّ الأفعالَ التي تُنْصَبُ بعدَها هذه الأسماءُ كانَتْ كُلُّها قَاصِرَةً.

الرابعُ: أنَّ هذه الأسماءَ منصوبةٌ على أنها مفعولٌ به حَقِيقَةً، وعَلَّلُوا هذا القولَ بأنَّ نَحْوَ (دَخَلَ) يَتَعَدَّى بنفسِه تَارَةً، وبحرفِ الجرِّ تارَةً أُخْرَى، وكثرةُ الأمريْنِ فيه تَدُلُّ على أنَّ كلَّ واحدٍ مِنهما أصلٌ، وهذا أيضًًا يَتَّجِهُ لو أنَّ جميعَ الأفعالِ التي تُنْصَبُ بعدَها هذه الأسماءُ كانَتْ من هذا النوعِ، إلاَّ أنْ يُخَصَّ هذا القولُ بنحوِ (دَخَلَ) مِمَّا له حالتانِ تَسَاوَتَا في كثرةِ الوُرُودِ، بخلافِ (ذَهَبَ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت