الصفحة 391 من 811

وما يُرَى ظَرْفًا وغَيْرَ ظَرْفِ ... فَذَاكَ ذُو تَصَرُّفٍ فِي العُرْفِ [1]

وغَيْرُ ذِي التَّصَرُّفِ الذي لَزِمْ ... ظَرْفِيَّةً أو شِبْهَهَا مِنَ الكَلِمْ [2]

يَنْقَسِمُ اسمُ الزمانِ واسمُ المكانِ إلى: مُتَصَرِّفٍ وغيرِ مُتَصَرِّفٍ، فالمتصرِّفُ من ظرفِ الزمانِ أو المكانِ ما اسْتُعْمِلَ ظَرْفًا وغيرَ ظرفٍ؛ كـ (يومٍ ومكانٍ) ؛ فإنَّ كلَّ واحدٍ مِنهما يُسْتَعْمَلُ ظرفًا، نحوُ: (سِرْتُ يَوْمًا، وجَلَسْتُ مَكَانًا) ويُسْتَعْمَلُ مُبْتَدَأً، نحوُ: (يَوْمُ الجُمُعَةِ يومٌ مُبَارَكٌ، ومَكَانُكَ حَسَنٌ) ، وفاعلًا، نحوُ: (جاءَ يومُ الجُمُعَةِ، وارْتَفَعَ مَكَانُكَ) .

وغيرُ المُتَصَرِّفِ هو ما لا يُسْتَعْمَلُ إلاَّ ظَرْفًا أو شِبْهَهُ، نحوُ: (سَحَرَ) إذا أَرَدْتَهُ مِن يومٍ بِعَيْنِهِ، فإنْ لم تُرِدْهُ مِن يومٍ بعينِه فهو مُتَصَرِّفٌ؛ كقولِه تعالى: {إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ} ، و (فوقَ) ، نحوُ: (جَلَسْتُ فوقَ الدارِ) ، فكلُّ واحدٍ مِن (سَحَرَ وفَوْقَ) لا يكونُ إلا ظرفًا [3] .

(1) (وما) اسمٌ مَوْصُولٌ مبتدأٌ أوَّلُ، (يُرَى) فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَبْنِيٌّ للمجهولِ، ونائبُ الفاعلِ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تقديرُه هو يعودُ إلى ما، وهو المفعولُ الأوَّلُ، (ظَرْفًا) مفعولٌ ثانٍ لِيُرَى، والجملةُ لا مَحَلَّ لها صلةُ الموصولِ، (وغَيْرَ) مَعْطُوفٌ على قولِهِ: (ظَرْفًا) السابقِ، وغيرَ مضافٌ و (ظَرْفِ) مُضَافٌ إليهِ، (فذاكَ) الفاءُ زائدةٌ، واسمُ الإشارةِ مبتدأٌ ثانٍ، (ذُو) خبرُ المُبْتَدَأِ الثاني، والجملةُ مِن المبتدأِ الثاني وخَبَرِهِ في مَحَلِّ رفعٍ خبرُ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ، وزِيدَتِ الفاءُ في جملةِ الخبرِ؛ لأنَّ المبتدأَ موصولٌ يُشْبِهُ الشرطَ في عُمُومِهِ، وذو مضافٌ و (تَصَرُّفٍ) مُضَافٌ إليهِ، (في العُرْفِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِتَصَرُّفٍ.

(2) (وغَيْرُ) مبتدأٌ، وغيرُ مضافٌ و (ذِي) مُضَافٌ إليهِ، وذِي مضافٌ و (التصرُّفِ) مُضَافٌ إليهِ، (الذي) اسمٌ مَوْصُولٌ: خبرُ المُبْتَدَأِ، (لَزِمْ) فِعْلٌ ماضٍ، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُه هو يعودُ إلى الذي، والجملةُ مِن لَزِمَ وفاعلِهِ لا مَحَلَّ لها صِلَةُ الذي، (ظَرْفِيَّةً) مفعولٌ به لِلَزِمَ، (أو شِبْهَهَا) مَعْطُوفٌ على مفعولٍ لفعلٍ محذوفٍ تَقْدِيرُه: أو لَزِمَ ظرفيَّةً أو شِبْهَهَا، ولا يجوزُ أنْ يكونَ معطوفًا على قولِهِ: (ظَرْفِيَّةً) المذكورِ في البيتِ؛ إذ يَصِيرُ حاصلُ المعنى أنَّ مِن الظرفِ ما يَلْزَمُ الظرفيَّةَ وَحْدَهَا، ومنه الذي لَزِمَ شِبْهَ الظرفيَّةِ وَحْدَهَا، والقِسْمُ الأوَّلُ صحيحٌ، والقِسْمُ الثاني على هذا الذي يُفِيدُه ظاهرُ البيتِ غيرُ صحيحٍ، وإنما الصحيحُ أنَّ الظرفَ يَنْقَسِمُ إلى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهِما: الذي يَلْزَمُ الظرفيَّةَ وَحْدَها ولا يُفَارِقُها، وهو نوعٌ من غيرِ المتصرِّفِ، وثانيهما: الذي يَلْزَمُ الأمريْنِ؛ الظرفيَّةَ وشِبْهَهَا، يعني أنه إذا فارَقَ الظرفيَّةَ لم يُفَارِقْ شِبْهَهَا، وهو النوعُ الآخَرُ مِن غيرِ المتصرِّفِ، (مِن الكَلِمْ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِلَزِمَ أو بِشِبْهَ أو بمحذوفٍ حالٌ مِن (غيرُ ذي التصرُّفِ) .

(3) مَثَّلَ الشارِحُ للظرفِ الذي لا يُفَارِقُ النصبَ على الظرفيَّةِ بمثاليْنِ:

أَحَدُهما: (سَحَرَ) إذا أَرَدْتَ به سَحَرَ يومٍ معيَّنٍ، وهذا صحيحٌ.

وثانيهما: (فَوْقَ) ، والتمثيلُ به لهذا النوعِ من الظرفِ غيرُ صحيحٍ، بل الصوابُ أنه من النوعِ الثاني الذي لَزِمَ الظرفيَّةَ أو شِبْهَهَا؛ بدليلِ مجيئِه مجرورًا بِمِن في قَوْلِهِ تعالى: {فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ} وفي آياتٍ أُخَرَ.

ومن الظروفِ التي لا تُفَارِقُ النصبَ على الظرفيَّةِ (قَطُّ) و (عَوْضُ) ظرفيْنِ للزمانِ؛ أَوَّلُهما للماضي وثانيهما للمستقبَلِ، وهما خاصَّانِ بالوقوعِ بعدَ النفيِ أو شِبْهِهِ، ومنها أيضًًا (بَدَلَ) إذا اسْتَعْمَلْتَه بمعنى مكانٍ، كما تقولُ: خُذْ هذا بَدَلَ هذا، ومِنها أيضًًا الظرُفُ المُرَكَّبَةُ؛ كقولِكَ: أنا أَزُورُكَ صباحَ مساءَ، ومَنْزِلَتُكَ عِنْدَنا بينَ بينَ، ومِنها أيضًًا (بَيْنَا) و (بَيْنَمَا) ، ومِنها (مُذْ، ومُنْذُ) إذا رَفَعْتَ ما بعدَهما وجَعَلْتَهُما خبريْنِ عنه، فهما مَبْنِيَّانِ على الضمِّ أو السكونِ في مَحَلِّ نصبٍ؛ كقَطُّ وعَوْضُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت