الصفحة 392 من 811

والذي لَزِمَ الظرفيَّةَ أو شِبْهَهَا (عِنْدَ ولَدُنْ) ، والمرادُ بِشِبْهِ الظرفيَّةِ أنه لا يَخْرُجُ عن الظرفيَّةِ إلاَّ باستعمالِه مجرورًا بـ (مِن) ، نحوُ: (خَرَجْتُ مِن عِنْدِ زَيْدٍ) ، ولا تُجَرُّ (عِنْدَ) إلاَّ بـ (مِن) ، فلا يقالُ: (خَرَجْتُ إلى عِنْدِه) ، وقولُ العامَّةِ: (خَرَجْتُ إلى عندِه) خَطَأٌ [1] .

وَقَدْ يَنُوبُ عَنْ مَكَانٍ مَصْدَرُ ... وَذَاكَ فِي ظَرْفِ الزَّمَانِ يَكْثُرُ [2]

يَنُوبُ المصدرُ عن ظرفِ المكانِ قليلًا؛ كقولِكَ: (جَلَسْتُ قُرْبَ زَيْدٍ) ؛ أي: مكانَ قُرْبِ زَيْدٍ، فحُذِفَ المضافُ، وهو (مكانَ) ، وأُقِيمَ المضافُ إليه مُقَامَه، فأُعْرِبَ بإعرابِه، وهو النصبُ على الظرفيَّةِ، ولا يَنْقَاسُ ذلك؛ فلا تقولُ: (آتِيكَ جُلُوسَ زَيْدٍ) تُرِيدُ مكانَ جُلُوسِهِ.

ويَكْثُرُ إقامةُ المصدرِ مُقَامَ ظرفِ الزمانِ، نحوُ: (آتِيكَ طُلُوعَ الشمسِ، وقُدُومَ الحاجِّ، وخُرُوجَ زَيْدٍ) ، والأصلُ: وَقْتَ طُلُوعِ الشمسِ، ووَقْتَ قُدُومِ الحاجِّ، ووَقْتَ خُرُوجِ زَيْدٍ، فحُذِفَ المضافُ وأُعْرِبَ المضافُ إليه بإعرابِه، وهو مَقِيسٌ في كلِّ مصدرٍ [3] .

(1) قد قالَ العربُ الموثوقُ بِعَرَبِيَّتِهِم: (حَتَّى مَتَى) ، فأَدْخَلُوا (حتَّى) على ظرفِ الزمانِ، وقالوا: (إلى أيْنَ) و (إلى مَتَى) ، فأَدْخَلُوا (إلى) الجارَّةَ على ظرفِ الزمانِ والمكانِ، وهذا شاذٌّ من جِهَةِ القياسِ، ومعنى هذا أنه يَصِحُّ لنا إدخالُ (حَتَّى) الجارَّةِ على لَفْظِ (متى) من بينِ أسماءِ الزمانِ، وإدخالُ (إلى) الجارَّةِ على لفظِ (متى) ولفظِ (أينَ) مِن بينِ جميعِ الظروفِ، اتِّبَاعًا لهم، ولا يجوزُ القياسُ على شيءٍ مِن ذلك.

(2) (وقد) حرفُ تَقْلِيلٍ، (يَنُوبُ) فِعْلٌ مُضَارِعٌ، (عن مكانٍ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِيَنُوبُ، (مَصْدَرُ) فاعلُ يَنُوبُ، (وذاكَ) الواوُ للاستئنافِ، واسمُ الإشارةِ مبتدأٌ، والكافُ حَرْفُ خِطابٍ، (في ظَرْفِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِيَكْثُرُ الآتي، وظرفِ مضافٌ (والزمانِ) مُضَافٌ إليهِ، (يَكْثُرُ) فِعْلٌ مُضَارِعٌ، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُه هو يعودُ إلى ذاكَ، والجملةُ مِن يَكْثُرُ وفاعلِهِ في مَحَلِّ رفعٍ خبرُ المُبْتَدَأِ.

(3) ذَكَرَ الشارِحُ ـ تَبَعًا للناظِمِ ـ وَاحِدًا مِمَّا يَنُوبُ عن الظرفِ، وهو المصدرُ، وبَيَّنَ أنَّ نِيَابَةَ المصدرِ عن ظرفِ الزمانِ مَقِيسَةٌ ـ بحيثُ يَجُوزُ لكَ أنْ تُنِيبَ ما شِئْتَ من المصادرِ عن ظرفِ الزمانِ ـ وأنَّ نِيَابَتَهُ عن ظرفِ المكانِ سَمَاعِيَّةٌ يَجِبُ ألاَّ تَسْتَعْمِلَ منه إلاَّ ما وَرَدَ عن العربِ، وقد بَقِيَ عليه أشياءُ تَنُوبُ عن الظرفِ زَمَانِيًّا أو مكانيًّا:

الأَوَّلُ: لفظُ (بَعْضٍ) ولفظُ (كُلٍّ) مضافيْنِ إلى الظرفِ، نحوُ: (بَحَثْتُ عنكَ كلَّ مَكانٍ، وسِرْتُ كلَّ اليومِ) ، وذلك مِن جِهَةِ أنَّ كَلِمَتَيْ بعضٍ وكلٍّ بحَسَبِ ما تُضافانِ إليه، وقد مَضَى ـ في بابِ المفعولِ المطلَقِ ـ أنهما يَنُوبَانِ عن المصدرِ في المفعوليَّةِ المطلَقَةِ.

الثاني: صِفَةُ الظرفِ، نحوُ (سِرْتُ طَوِيلًا شَرْقِيِّ القاهرةِ)

الثالثُ: اسمُ العددِ المُمَيَّزِ بالظرفِ، نحوُ: (صُمْتُ ثلاثةَ أيامٍ، وسِرْتُ ثلاثةَ عَشَرَ فَرْسَخًا) .

الرابعُ: ألفاظٌ مُعَيَّنَةٌ تَنُوبُ عن اسمِ الزمانِ، نحوُ: (أَحَقًّا) في قولِ الشاعِرِ:

أحقًّا عِبَادَ اللهِ أنْ لَسْتُ صَادِرًا ... وَلاَ وَارِدًا إلاَّ عَلَيَّ رَقِيبُ

وفي نحوِ قولِ الآخَرِ:

أحقًّا أنَّ جِيرَتَنَا اسْتَقَلُّوا ... فَنِيَّتُنَا ونِيَّتُهُمْ فَرِيقُ

وفي نحوِ قولِ الآخَرِ:

أحقًّا بَنِي أبناءِ سَلْمَى بنِ جَنْدَلٍ ... تَهَدُّدُكُمْ إِيَّايَ وَسْطَ المَجَالِسِ

وفي نحوِ قولِ الآخَرِ:

* أحقًّا أنَّ أَخْطَلَكُمْ هَجَانِي *.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت