الصفحة 394 من 811

المفعولُ مَعَهُ

يُنْصَبُ تَالِي الوَاوِ مَفْعُولًا مَعَهْ ... في نَحْوِ: (سِيرِي وَالطَّرِيقَ مُسْرِعَهْ) [1]

بِمَا مِنَ الفِعْلِ وشِبْهِهِ سَبَقْ ... ذَا النَّصْبُ لاَ بِالوَاوِ في القَوْلِ الأَحَقْ [2]

المفعولُ معَه هو الاسمُ المنتصِبُ بعدَ واوٍ بمعنى معَ، والناصِبُ له ما تَقَدَّمَهُ مِن الفعلِ أو شِبْهِهِ، فمثالُ الفِعْلِ: (سِيرِي وَالطَّرِيقَ مُسْرِعَةً) ؛ أي: سِيرِي معَ الطريقِ، فالطريقُ منصوبٌ بِسِيرِي.

ومثالُ شِبْهِ الفِعْلِ: (زَيْدٌ سائرٌ والطريقَ) ، و (أَعْجَبَنِي سَيْرُكَ والطريقَ) ، فالطريقُ منصوبٌ بسائرٌ وسَيْرُكَ.

وزَعَمَ قومٌ أنَّ الناصِبَ للمفعولِ معَه الواوُ، وهو غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّ كلَّ حرفٍ اخْتُصَّ بالاسمِ ولم يَكُنْ كالجُزْءِ مِنه لم يَعْمَلْ إلاَّ الجَرَّ؛ كحُرُوفِ الجرِّ، وإنما قِيلَ: (ولم يَكُنْ كالجُزْءِ مِنْه) احترازًا من الألِفِ واللامِ؛ فإنَّها اخْتُصَّتْ بالاسمِ ولم تَعْمَلْ فيه شيئًا؛ لِكَوْنِها كالجزءِ مِنه؛ بدليلِ تَخَطِّي العاملِ لها، نحوُ: (مَرَرْتُ بالغُلامِ) .

ويُسْتَفَادُ مِن قولِ المصنِّفِ في نحوِ: (سِيرِي والطريقَ مُسْرِعَهْ) أنَّ المفعولَ معَه مَقِيسٌ فيما كانَ مثلَ ذلك، وهو كلُّ اسمٍ وَقَعَ بعدَ واوٍ بمعنى معَ، وتَقَدَّمَهُ فعلٌ أو شِبْهُه، وهذا هو الصحيحُ مِن قولِ النَّحْوِيِّينَ [3] .

وكذلك يُفْهَمُ مِن قولِه: (بما مِنَ الفِعْلِ وشِبْهِهِ سَبَقْ) أنَّ عامِلَه لا بُدَّ أنْ يَتَقَدَّمَ عليه، فلا تقولُ: (وَالنِّيلَ سِرْتُ) ، وهذا باتِّفَاقٍ، أمَّا تَقَدُّمُه على مُصَاحِبِهِ، نحوُ: (سارَ وَالنِّيلَ زَيْدٌ) ففيه خِلافٌ، والصحيحُ مَنْعُه [4] .

(1) (يُنْصَبُ) فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَبْنِيٌّ للمجهولِ، (تَالِي) نائبُ فاعلِ يُنْصَبُ، وتالي مضافٌ و (الواوِ) مُضَافٌ إليهِ، (مَفْعُولًا) حالٌ من نائبِ الفاعلِِ، (مَعَهْ) معَ: ظرفٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِهِ: (مَفْعُولًا) ، ومعَ مضافٌ والضميرُ مُضَافٌ إليهِ، (في نحوِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خَبَرٍ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتقديرُ: وذلك كائنٌ في نحوِ، (سِيرِي) فِعْلُ أَمْرٍ، وياءُ المخاطَبَةِ فاعلٌ، والجملةُ في مَحَلِّ جَرٍّ بإضافةِ نَحْوِ إليها، (والطريقَ) مفعولٌ معَهُ، (مُسْرِعَهْ) حالٌ مِن ياءِ المخاطَبَةِ في قَوْلِهِ: (سِيرِي) .

(2) (بما) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، (مِن الفِعْلِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِهِ: (سَبَقَ) الآتي، (وشِبْهِهِ) الواوُ عاطفةٌ، وشِبْهِ مَعْطُوفٌ على الفعلِ، وشِبْهِ مضافٌ والضميرُ مُضَافٌ إليهِ، (سَبَقْ) فِعْلٌ ماضٍ، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُه هو يعودُ إلى ما الموصولةِ، والجملةُ لا مَحَلَّ لها صلةُ (ما) المجرورةِ مَحَلاًّ بالباءِ، (ذَا) اسمُ إشارةٍ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، (النَّصْبُ) بدلٌ أو عطفُ بيانٍ أو نعتٌ لاسمِ الإشارةِ، (لا) حرفُ عَطْفٍ، (بالواوِ) جارٌّ ومجرورٌ مَعْطُوفٌ على (بِمَا) ، (في القولِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِهِ: (النَّصْبُ) السابقِ، (الأَحَقْ) نعتٌ للقولِ.

(3) يريدُ الشارِحُ بالمُمَاثَلَةِ في قَوْلِهِ: (مَقِيسٌ فيما كانَ مثلَ ذلك ... إلخ) المشابهةَ فيما ذَكَرَ، وفي كونِ الاسمِ الذي بعدَ الواوِ مِمَّا لا يَصِحُّ عَطْفُه على ما قبلَ الواوِ.

وقد اخْتَلَفَ النُّحَاةُ في هذه المسألةِ؛ فذَهَبَ الجمهورُ إلى أنَّ كلَّ اسمٍ وَقَعَ بعدَ واوِ المَعِيَّةِ وسَبَقَتْهُ جُمْلَةٌ ذاتُ فِعْلٍ أو شِبْهِهِ، ولم يَصِحَّ عَطْفُه على ما قبلَه، فإنَّه يكونُ مفعولًا معَه، وذَهَبَ ابنُ جِنِّيٍّ إلى أنه لا يَجُوزُ أنْ يكونَ مفعولًا معَه إلاَّ إذا كانَ بحيثُ يَصِحُّ عَطْفُه على ما قبلَه مِن جِهَةِ المعنَى، والصحيحُ ما ذَهَبَ إليه الجمهورُ؛ لأنَّه قد وَرَدَ عنهم في ما لا يُحْصَىمن الشواهدِ نَثْرًا ونَظْمًا، وقولُهم: سِرْتُ والطريقَ، واسْتَوَى الماءُ والخشبةَ ـ بمعنى ارْتَفَعَ الماءُ حتى صارَ الماءُ من الخشبةِ في مستوًى واحدٍ ـ من غيرِ ـ ضرورةٍ ولا مُلجئٍ ما يَقْطَعُ بذلك.

(4) اخْتَلَفَ النُّحَاةُ في تقديمِ المفعولِ معَه على مُصَاحِبِه: أَيَجُوزُ أم لا يجوزُ؟ فذَهَبَ ابنُ جِنِّيٍّ إلى أنَّ ذلك جائزٌ، والذي يُؤْخَذُ من كلامِه في كتابِه (الخصائصِ) وغيرِه، أنه اسْتَدَلَّ على جَوَازِهِ بأمريْنِ:

أَوَّلُهُما أنَّ المفعولَ معَه يُشْبِهُ المعطوفَ بالواوِ، والمعطوفُ بالواوِ يجوزُ تقديمُه على المعطوفِ عليه، فتقولُ: جاءَ وزيدٌ عَمْرٌو، كما قالَ الشاعِرُ:

أَلاَ يَا نَخْلَةً مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ ... عَلَيْكِ ورَحْمَةُ اللهِ السلامُ

والشيءُ إذا أَشْبَهَ الشيءَ أَخَذَ حُكْمَه.

وثاني الاستدلاليْنِ: أنه وَرَدَ عن العربِ المُحْتَجِّ بكلامِهِم تقديمُ المفعولِ معَه على مُصَاحِبِه؛ كما في قولِ يَزِيدَ بنِ الحَكَمِ الثَّقَفِيِّ مِن قصيدةٍ يُعَاتِبُ فيها ابنَ عَمِّهِ:

جَمَعْتَ وفُحْشًا غِيبَةً ونَمِيمَةً ... ثَلاَثُ خِصَالٍ لَسْتَ عَنْهَا بِمُرْعَوِي

فزَعَمَ أنَّ الواوَ في قَوْلِهِ: (وفُحْشًا) واوُ المعيَّةِ، والاسمَ بعدَه منصوبٌ على أنه مفعولٌ معَه، ومِن ذلك أيضًًا قولُ بعضِ الفَزَارِيِّينَ، وهو مِن شُعَرَاءِ الحماسةِ:

أَكْنِيهِ حِينَ أُنَادِيهِ لأُكْرِمَهُ ... وَلاَ أُلَقِّبُهُ وَالسَّوْءَةَ اللَّقَبَا

فزَعَمَ أنَّ الواوَ في قَوْلِهِ: (والسَّوْءَةَ) واوُ المعيَّةِ، والاسمَ بعدَها منصوبٌ على أنه مفعولٌ معَه تَقَدَّمَ على مُصَاحِبِه، وهو قولُه: (اللَّقَبَا) ، وأصلُ الكلامِ عندَه: ولا أُلَقِّبُهُ اللَّقَبَ والسَّوْءَةَ.

وليسَ ما ذَهَبَ إليه ابنُ جِنِّيٍّ بِسَدِيدٍ، ولا ما اسْتَدَلَّ به صحيحٌ؛ أمَّا تَشْبِيهُ المفعولِ معَه بالمعطوفِ فلَئِنْ سَلَّمْنَا له شَبَهَهُ به لم نُسَلِّمْ أنَّ المعطوفَ يجوزُ أنْ يَتَقَدَّمَ على المعطوفِ عليه، بل كَوْنُه تابعًا يُنَادِي بأنَّ ذلك مُمْتَنِعٌ، فأمَّا البيتُ الذي أَنْشَدَهُ شاهدًا على تقديمِ المعطوفِ فضرورةٌ أو مُؤَوَّلٌ، وأمَّا البيتانِ اللذانِ أَنْشَدَهُما على جَوَازِ تقديمِ المفعولِ معَه على مُصَاحِبِه فبعدَ تسليمِ صِحَّةِ الروايةِ يجوزُ أنْ تكونَ الواوُ فيهما للعطفِ وقُدِّمَ المعطوفُ ضرورةً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت