الصفحة 411 من 811

اسْتُعْمِلَ بمعنى (إلاَّ) في الدَّلالةِ على الاستثناءِ ألفاظٌ؛ مِنها ما هو اسمٌ، وهو (غيرٌ وسُوَى وسِوَى وسَوَاءٌ) ، ومنها ما هو فِعْلٌ، وهو (ليسَ) ، ولا يكونُ، ومِنها ما يكونُ فِعْلًا وحرفًا، وهو (عَدَا وخَلاَ وحَاشَا) ، وقد ذَكَرَها المصنِّفُ كلَّها.

فأمَّا (غيرٌ وسِوَى وسُوَى وسَوَاءٌ) فحُكْمُ المُسْتَثْنَى بها الجرُّ؛ لإضافتِها إليه، وتُعْرَبُ (غيرُ) بما كانَ يُعْرَبُ به المستثنَى معَ (إلاَّ) ، فتقولُ: (قامَ القومُ غيرَ زيدٍ) بنصبِ (غيرَ) ، كما تقولُ: (قامَ القومُ إلاَّ زَيْدًا) بنصبِ (زيدٍ) ، وتقولُ: (ما قامَ أحدٌ غيرُ زَيْدٍ وغيرَ زَيْدٍ) بالإْتَبَاعِ والنصبِ، والمختارُ الإِتباعُ؛ كما تقولُ: (ما قامَ أحدٌ إلاَّ زيدٌ وإلاَّ زيدًا) ، وتقولُ: (ما قامَ غيرُ زيدٍ) فتَرْفَعُ (غَيْرُ) وجوبًا، كما تقولُ: (ما قامَ إلاَّ زيدٌ) برَفْعِهِ وجوبًا، وتقولُ: (ما قامَ أحدٌ غيرَ حِمارٍ) بنصبِ (غَيْرَ) عندَ غيرِ بني تَمِيمٍ، وبالإتباعِ عندَ بني تَمِيمٍ، كما تَفْعَلُ في قولِكَ: (ما قامَ أحدٌ إلاَّ حِمَارٌ وإلاَّ حِمارًا) .

وأمَّا (سِوَى) فالمشهورُ فيها كسرُ السينِ والقصرُ، ومِن العربِ مَن يَفْتَحُ سِينِها ويَمُدُّ، ومِنهم مَن يَضُمُّ سِينَها ويُقْصِرُ، ومنهم مَن يَكْسِرُ سِينَها ويَمُدُّ، وهذه اللغةُ لم يَذْكُرْها المصنِّفُ، وقلَّ مَن ذَكَرَها، ومِمَّن ذَكَرَها الفاسِيُّ في شَرْحِهِ للشاطبيَّةِ.

ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والفَرَّاءِ وغيرِهما أنها لا تكونُ إلا ظرفًا، فإذا قلتَ: (قامَ القومُ سِوَى زيدٍ) فـ (سِوَى) عندَهم منصوبةٌ على الظرفيَّةِ، وهي مُشْعِرَةٌ بالاستثناءِ، ولا تَخْرُجُ عندَهم عن الظرفيَّةِ إلاَّ في ضرورةِ الشعرِ.

واختَارَ المصنِّفُ أنها كـ (غَيْرٍ) ؛ فتُعَامَلُ بما تُعَامَلُ به (غَيْرٌ) مِن الرفعِ والنصبِ والجرِّ، وإلى هذا أشارَ بقولِهِ:

ولِسِوًى سُوًى سَوَاءٍ اجْعَلاَ ... عَلَى الأَصَحِّ مَا لِغَيْرٍ جُعِلاَ [1]

فمِن اسْتِعْمَالِها مجرورةً قولُه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( دَعَوْتُ رَبِّي أَلاَّ يُسَلِّطَ عَلَى أُمَّتِي عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهَا ) )، وقولُه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَا أَنْتُمْ فِي سِوَاكُمْ مِنَ الأُمَمِ إِلاَّ كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِ الأَسْوَدِ، أَوْ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي الثَّوْرِ الأَبْيَضِ ) )، وقولُ الشاعِرِ:

171 -ولا يَنْطِقُ الْفَحْشَاءَ مَنْ كَانَ مِنْهُمُ ... إِذَا جَلَسُوا مِنَّا وَلاَ مِنْ سَوَائِنَا [2]

(1) (لِسِوًى) جارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ باجْعَلْ على أنه مفعولٌ ثانٍ له، (سُوًى، سَوَاءٍ) معطوفانِ على سِوَى بعاطفٍ مُقَدَّرٍ في كلٍّ منهما، (اجْعَلاَ) اجْعَلَ: فِعْلُ أَمْرٍ، وفاعِلُهُ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ أنتَ، والألفُ مُنْقَلِبَةٌ عن نونِ التوكيدِ الخفيفةِ، (على الأَصَحِّ) جارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بِجُعِلَ، (ما) اسمٌ موصولٌ: مفعولٌ أوَّلُ لاجْعَلْ، (لِغَيْرٍ) جارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بجُعِلَ الآتي على أنه المفعولُ الثاني، (جُعِلاَ) جُعِلَ: فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ للمجهولِ، ونائبُ الفاعلِ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه، وهو المفعولُ الأوَّلُ، والجملةُ لا مَحَلَّ لها من الإعرابِ صِلَةُ ما، والألفُ للإطلاقِ.

(2) 171 - البيتُ للمَرَّارِ بنِ سَلاَمَةَ العُقَيْلِيِّ، وهو من شواهدِ سِيبَوَيْهِ، وقد أَنْشَدَه في كِتَابِهِ مرَّتَيْنِ: إِحْدَاهما في (1/ 3) ونَسَبَهُ للمَرَّارِ بنِ سَلاَمَةَ، والثانيةُ في (1/ 302) ونَسَبَه لرجلٍ من الأنصارِ، ولم يُعَيِّنْه.

اللغةُ: (الفَحْشَاءَ) الشيءُ القبيحُ، وتقولُ: أَفْحَشَ الرجلُ في كلامِهِ، وفَحَشَ تَفْحِيشًا، وتَفَحَّشَ، إذا أَرَدْتَ أنه يَتَكَلَّمُ بِقَبِيحِ الكلامِ.

الإعرابُ: (لا) نافيةٌ، (يَنْطِقُ) فِعْلٌ مُضَارِعٌ، (الفحشاءَ) منصوبٌ على نَزْعِ الخافضِ، (مِن) اسمٌ موصولٌ فاعلُ يَنْطِقُ، (كانَ) فِعْلٌ ماضٍ ناقِصٌ، واسمُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يَعُودُ إلى مَنِ الموصولةِ، (مِنْهُمُ) جارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بمَحْذُوفٍ خبرُ كانَ، والجملةُ من كانَ ومعمولَيْها لا مَحَلَّ لها من الإعرابِ صِلَةٌ، (إذا) ظَرْفِيَّةٌ، (جَلَسُوا) فعلٌ وفاعلٌ، والجملةُ في مَحَلِّ جرٍّ بإضافةِ إذا إليها، (مِنَّا) جارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بِجَلَسُوا، ومِن الجارَّةُ هنا بمعنى معَ، (ولا) الواوُ عاطِفَةٌ، لا: نافيةٌ، (مِن سَوَائِنَا) الجارُّ والمجرورُ معطوفٌ على الجارِّ والمجرورِ السابقِ، وسَوَاءِ مُضافٌ والضميرُ مُضافٌ إليه، وقِيلَ: مِنَّا ومِن سَوَائِنَا يَتَعَلَّقَانِ بقولِهِ: يَنْطِقُ، وجوابُ إذا محذوفٌ يَدُلُّ عليه سابقُ الكلامِ، والتقديرُ: إذا جَلَسُوا فلا يَنْطِقُ الفحشاءَ ... إلخ.

الشاهِدُ فيه: قولُه: (مِن سَوَائِنَا) ؛ حيثُ خَرَجَتْ فيه سَوَاءٌ عن الظَرْفِيَّةِ، واسْتُعْمِلَتْ مجرورةً بِمِن، مُتَأَثِّرَةً به، وهو عندَ سِيبَوَيْهِ وأَتْبَاعِهِ معدودٌ من ضروراتِ الشعرِ.

قالَ الأَعْلَمُ في شرحِ شواهدِ سِيبَوَيْهِ عندَ الكلامِ على هذا البيتِ: (أرادَ غَيْرَنَا، فوَضَعَ سَوَاءً موضِعَ غيرٍ ضرورةً، وكانَ يَنْبَغِي ألاَّ يُدْخِلَ مِن عليها؛ لأنَّها لا تُسْتَعْمَلُ في الكلامِ إلاَّ ظرفًا، ولكنَّه جَعَلَها بمنزلةِ غيرٍ في دخولِ مِن عليها؛ لأنَّ معناها كمعناها) . اهـ.

ومثلُ هذا البيتِ - في استعمالِ سِوَى مجرورةً للضرورةِ عندَه - قولُ الأَعْشَى مَيْمُونِ بنِ قَيْسٍ:

تَجَانَفُ عَنْ جَوِّ اليَمَامَةِ نَاقَتِي ... وَمَا عَدَلَتْ عَنْ أَهْلِهَا لِسَِوَائِكَا

وقولُ عُثْمَانَ بنِ صَمْصَامَةَ الجَعْدِيِّ:

عَلَى نُعْمِنَا، لاَ نُعْمِ قَوْمٍ سَِوَائِنَا ... هِيَ الْهَمُّ والأحلامُ لَوْ يَقَعُ الحُلْمُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت