الصفحة 416 من 811

(خَلاَ زَيْدًا، وعَدَا زَيْدًا) منصوبٌ على المفعوليَّةِ، و (خَلاَ وعَدَا) فِعلانِ، فاعِلُهما في المشهورِ ضميرٌ عائدٌ على البعضِ المفهومِ من القومِ؛ كما تَقَدَّمَ، وهو مُسْتَتِرٌ وُجُوبًا، والتقديرُ: خَلاَ بَعْضُهم زيدًا، وعَدَا بَعْضُهم زيدًا.

ونَبَّهَ بقولِهِ: (وبِيَكُونُ بَعْدَ لاَ) ، وهو قَيْدٌ في يكونُ فقطْ، على أنه لا يُسْتَعْمَلُ في الاستثناءِ مِن لفظِ الكونِ غيرُ يكونُ، وأنها لا تُسْتَعْمَلُ فيه إلاَّ بعدَ (لا) ، فلا تَسْتَعْمِلْ فيه بعدَ غَيْرِها من أدواتِ النفيِ، نحوُ: (لم وإنْ ولنْ ولَمَّا ومَا) .

واجْرُرْ بِسَابِقَيْ يَكُونُ إِنْ تُرِدْ ... وبعدَ (ما) انْصِبْ وانْجِرَارٌ قَدْ يَرِدْ [1]

أي: إذا لم تَتَقَدَّمْ (ما) على (خَلاَ وعَدَا) فاجْرُرْ بهما إنْ شِئْتَ، فتقولُ: (قامَ القومُ خَلاَ زَيْدٍ وعَدَا زَيْدٍ) ، فخَلاض وعَدَا حَرفا جَرٍّ، ولم يَحْفَظْ سِيبَوَيْهِ الجرَّ بهما، وإنما حَكَاهُ الأخفشُ، فمِن الجرِّ بِخَلاَ قولُه:

175 -خَلاَ اللهِ لا أَرْجُو سِوَاكَ وَإِنَّمَا ... أَعُدُّ عِيَالِي شُعْبَةً مِنْ عِيَالِكَا [2]

(1) (واجْرُرْ) فِعْلُ أَمْرٍ، وفاعِلُهُ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ أنتَ، (بِسَابِقَيْ) جارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ باجْرُرْ، وسَابِقَيْ مُضافٌ و (يكونُ) قُصِدَ لفظُه: مُضافٌ إليه، (إنْ) شَرْطِيَّةٌ (تُرِدْ) فِعْلٌ مُضَارِعٌ فِعْلُ الشرطِ، مجزومٌ بإنْ، وعلامةُ جزمِه السكونُ، وفاعِلُهُ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ أنتَ، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ يَدُلُّ عليه سابقُ الكلامِ، والتقديرُ: إنْ تُرِدْ فَاجْرُرْ ... إلخ، (وبعدَ) الواوُ عاطِفَةٌ، بعدَ: ظرفٌ مُتَعَلِّقٌ بانْصِبِ الآتي، وبعدَ مُضافٌ و (ما) قُصِدَ لفظُه: مُضافٌ إليه، (انْصِبْ) فِعْلُ أَمْرٍ وفاعِلُهُ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ أنتَ، (وَانْجِرَارٌ) مبتدأٌ، (قد) حرفُ تقليلٍ، (يَرِدْ) فِعْلٌ مُضَارِعٌ، وفاعِلُهُ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يَعُودُ إلى انْجِرَارٌ، والجملةُ مِن يَرِدْ وفاعِلِهِ في مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ المُبْتَدَأِ.

(2) 175 - البيتُ من الشواهدِ التي لم يُعَيِّنُوا قائلَها، ولم أَقِفْ له على سابقٍ أو لاحِقٍ.

اللغةُ: (أَرْجُو) مضارعٌ مِن الرجاءِ، وهو ضِدُّ اليأسِ مِن الشيءِ الذي هو قَطْعُ الطَّمَاعِيَةِ في الوصولِ إليه، وتقولُ: رَجَا الإنسانُ الشيءَ يَرْجُوهُ رَجاءً، إذا أَمَّلَهُ وتَوَقَّعَ حُصُولَهُ، (سِوَاكَ) غَيْرَكَ، وهو دليلٌ على أنَّ هذه الكَلِمَةَ تُسْتَعْمَلُ غيرَ ظرفٍ؛ لِوُقُوعها مفعولًا به، وتَقَدَّمَتْ هذه المسألةُ مَشْرُوحَةً مُسْتَدَلاًّ لها (ص 230 وما بعدَها) ، (أَعُدُّ) ؛ أي: أَحْسِبُ، (عِيَالِي) العِيَالُ: هم أهلُ بيتِ الإنسانِ ومَن يُمَوِّنُهُم، (شُعْبَةً) طائفةً.

المعنى: إنني لا أُؤَمِّلُ أنْ يَصِلَنِي الخيرُ مِن أحدٍ إلاَّ منكَ، وأنا واثِقٌ كلَّ الثقةِ مِن أنَّكَ لا تَدَّخِرُ وُسْعًا في التفضُّلِ عليَّ والإحسانِ إليَّ؛ لأنَّ أهلِي ومَن تَلْزَمُنِي مُؤَنُهُم في اعتباري - فريقٌ مِن أهلِكَ ومَن تَلْزَمُكَ مُؤَنُهُم.

الإعرابُ: (خَلاَ) حرفُ جَرٍّ، (اللهِ) مجرورٌ بِخَلاَ، والجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بأَرْجُو الآتي، (لا) نافيةٌ، (أَرْجُو) فِعْلٌ مُضَارِعٌ، وفاعِلُهُ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ أنا، (سِوَاكَ) سِوَى: مفعولٌ به لأَرْجُو، وسِوَى مُضافٌ والكافُ ضميرُ المخاطَبِ مُضافٌ إليه، (إِنَّمَا) أداةُ حَصْرٍ، (أَعُدُّ) فِعْلٌ مُضَارِعٌ، وفاعِلُهُ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ أنا، (عِيَالِي) عِيالِ: مفعولٌ أوَّلُ لأَعُدُّ، وعِيَالِ مُضافٌ وياءُ المتكلِّمِ مُضافٌ إليه مَبْنِيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ جرٍّ، (شُعْبَةً) مفعولٌ ثانٍ لأَعُدُّ، (مِنْ عِيَالِكَا) مِن عِيَالِ: جارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بمَحْذُوفٍ صِفَةٌ لِشُعْبَةً، وعِيَالِ مُضافٌ والكافُ مُضافٌ إليه.

الشاهدُ فيه: قولُه: (خَلاَ اللهِ) ، وفي هذه الكَلِمَةِ وَحْدَها شاهدانِ للنحاةِ:

أمَّا الأوَّلُ: فحيثُ اسْتَعْمَلَ الشاعرُ (خلا) حرفَ جَرٍّ، فجَرَّ به لفظَ الجلالةِ، وذَكَرَ الشارِحُ أنَّ هذا مِمَّا نَقَلَه الأخفشُ، وأنَّ سِيبَوَيْهِ لم يَحْفَظْ مِن العربِ الجرَّ بِخَلاَ، وهذا نَقْلٌ غيرُ صحيحٍ، بل نَقَلَه سِيبَوَيْهِ في كِتَابِهِ صَرِيحًا (1/ 377) ؛ حيثُ يقولُ: (أمَّا حاشَ فليسَ باسمٍ، ولكنَّه حرفٌ يَجُرُّ ما بعدَه كما تَجُرُّ حتَّى ما بعدَها، وفيه معنى الاستثناءِ، وبعضُ العربِ يقولُ: ما أنا من القومِ خلاَ عبدِ اللهِ(بالجرِّ) ، فجَعَلُوا خَلاَ بمنزلةِ حاشا، فإذا قلتَ: ما خلا فليسَ فيه إلا النصبُ؛ لأنَّ ما اسمٌ، ولا تكونُ صِلَتَها إلاَّ للفعلِ هنا) اهـ.

وأمَّا الشاهدُ الثاني: فحيثُ قَدَّمَ الاستثناءَ فجَعَلَه أوَّلَ الكلامِ قبلَ المُسْتَثْنَى مِنه، وقبلَ العاملِ في المستثنَى منه، وذلك جائزٌ عندَ الكُوفِيِّينَ، نَصَّ عليه الكِسَائِيُّ، وإليه ذَهَبَ أبو إسحاقَ الزَّجَّاجُ، وذَهَبَ البَصْرِيُّونَ إلى أنَّ ذلك لا يجوزُ، وأجازَ الفريقانِ جميعًا تقديمَ المستثنَى على المستثنَى منه، بشرطِ أنْ يَتَقَدَّمَ العاملُ في المُسْتَثْنَى منه أو بعضِ جملةِ المستثنَى منه.

وأُحِبُّ - في هذا الموضِعِ - أنْ أُبَيِّنُ لكَ صورةَ تَقْدِيمِ المستثنَى، ورَأْيَ النحاةِ في كلِّ صورةٍ منها؛ لِيَتَّضِحَ لكَ الأمرُ غايةَ الوُضُوحِ، ولتكونَ على بَصِيرَةٍ تامَّةٍ، فأقولُ: إنَّ صورةَ تقديمِ المستثنى - كما أَشَرْنَا إلى ذلك فيما مَضَى (ص 216) - ثلاثةٌ:

الصورةُ الأُولى: أنْ يَتَقَدَّمَ المستثنَى على المستثنَى منه وحدَه، ومنه بيتُ الشاهدِ (رَقْمِ 167) ، ومنه قولُ الآخَرِ:

النَّاسُ أَلْبٌ عَلَيْنَا فِيكَ لَيْسَ لَنَا ... إِلاَّ السُّيُوفَ وَأَطْرَافَ الْقَنَا وَزَرُ

ولا يَخْتَلِفُ الكُوفِيُّونَ والبَصْرِيُّونَ في جَوَازِ هذه الصورةِ.

الصورةُ الثانيةُ: أنْ يَتَقَدَّمَ المُسْتَثْنَى على العاملِ في المُسْتَثْنَى مِنه وَحْدَهُ، نحوُ قولِكَ: (القومُ إلاَّ زيدًا ضَرَبْتُ) بِنَصْبِ القومِ على أنه مفعولٌ به لِضَرَبْتُ.

وللنحاةِ خلافٌ في هذه المسألةِ، ولهم فيها ثلاثةُ أقوالٍ:

الأوَّلُ: حاصِلُه أنه يجوزُ تقديمُ المستثنَى على العاملِ في المستثنى منه إذا تَقَدَّمَ المستثنى منه، مُطْلَقًا، نعني: سواءٌ أكانَ العاملُ في المستثنَى منه متصرِّفًا أم كانَ جامدًا.

والقولُ الثاني: أنه لا يجوزُ مُطْلَقًا.

والقولُ الثالثُ: التفصيلُ؛ فإنْ كانَ العاملُ في المستثنَى منه متصرِّفًا، نحوُ قولِكَ: (إِخْوَتُكَ إلاَّ زيدًا حَضَرُوا) جازَ التقديمُ، وإنْ كانَ العاملُ في المستثنَى منه غيرَ مُتَصَرِّفٍ، نحوُ قولِكَ: (إِخْوَتُكَ إِلاَّ زَيْدًا عَسَى أنْ يَفْلَحُوا) لم يَجُزِ التقديمُ.

الصورةُ الثالثةُ: أنْ يَتَقَدَّمَ المُسْتَثْنَى على المستثنَى منه وعلى العاملِ جميعًا، وعلى ذلك يَقَعُ المستثنَى في أوَّلِ الكلامِ، ومن شواهدِهِ البيتُ الذي معَنا (رقم 175) ، وقد اخْتَلَفَ في هذه الصورةِ الكُوفِيُّونَ والبَصْرِيُّونَ.

فأمَّا الكُوفِيُّونَ فقالوا: يجوزُ تقديمُ المستثنَى على المستثنَى منه وعلى العاملِ جميعًا، وبعبارةٍ أُخْرَى قالُوا: يجوزُ أنْ يَقَعَ المستثنَى في أوَّلِ الكلامِ؛ لأنَّ العربَ قد اسْتَعْمَلَتْهُ مُقَدَّمًا، ولأنَّه جازَ تقديمُه على المستثنَى منه من غيرِ ضرورةٍ، فيجوزُ تقديمُه عليه وعلى العاملِ.

وأمَّا البَصْرِيُّونَ فقالوا: لا يجوزُ تقديمُ المستثنَى على المستثنَى منه وعلى العاملِ جميعًا. وشَبَّهُوا المستثنَى بالبدلِ، وشَجَّعَهُم على هذا التشبيهِ أنَّ المُسْتَثْنَى يُعْرَبُ بَدَلًا في بعضِ الأمثلةِ، ولَمَّا كانَ البَدَلُ لا يجوزُ تقديمُه على المُبْدَلِ مِنه، فما أَشْبَهَ البَدَلَ يَأْخُذُ حُكْمَهُ.

وفي قَوْلِهِ: (لا أَرْجُو سِوَاكَ) شاهدٌ ثالثٌ، وحاصِلُه أنَّ (سِوَى) قد تُفَارِقُ النَّصْبَ على الظَرْفِيَّةِ فتَتَأَثَّرُ بالعواملِ، وقد وَقَعَتْ هنا مفعولًا به، وهذا هو الذي نَبَّهْتُكَ إليه في (ص 230) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت