الصفحة 440 من 811

وكذلك يَجُوزُ مَجِيءُ الحالِ من المضافِ إليه إذا كانَ المضافُ جُزْءًا مِن المضافِ إليه أو مِثْلَ جُزْئِهِ في صِحَّةِ الاستغناءِ بالمضافِ إليه عنه، فمثالُ ما هو جُزْءٌ مِن المضافِ إليه قولُه تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا} ، فـ (إخوانًا) حالٌ مِن الضميرِ المضافِ إليه (صُدُورٌ) ، والصدورُ جُزْءٌ مِن المضافِ إليه.

ومثالُ ما هو مِثْلُ جُزْءِ المضافِ إليه في صِحَّةِ الاستغناءِ بالمضافِ إليه عنه قولُه تعالى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} ، فـ (حنيفًا) حالٌ مِن (إبراهيمَ) ، والمِلَّةُ كالجزءِ مِن المضافِ إليه؛ إذ يَصِحُّ الاستغناءُ بالمضافِ إليه عنها، فلو قِيلَ في غيرِ القرآنِ: (أَنِ اتَّبِعْ إبراهيمَ حنيفًا) لَصَحَّ.

فإنْ لم يَكُنِ المضافُ مِمَّا يَصِحُّ أنْ يَعْمَلَ في الحالِ، ولا هو جُزْءٌ مِن المضافِ إليه، ولا مِثْلُ جُزْئِهِ - لم يَجُزْ أنْ يَجِيءَ الحالُ منه، فلا تقولُ: (جاءَ غلامُ هِنْدٍ ضَاحِكَةً) ، خِلافًا للفَارِسِيِّ. وقولُ ابنِ المُصَنِّفِ رَحِمَه اللهُ تعالى: (إِنَّ هذه الصورةَ ممنوعةٌ بلا خلافٍ) ليسَ بِجَيِّدٍ؛ فإنَّ مذهَبَ الفارِسِيِّ جَوَازُها كما تَقَدَّمَ، ومِمَّن نَقَلَه عنه الشريفُ أبو السَّعَادَاتِ ابنُ الشَّجَرِيِّ في أَمَالِيهِ.

والحَالُ إِنْ يُنْصَبْ بِفِعْلٍ صُرِّفَا ... أَوْ صِفَةٍ أَشْبَهَتِ المُصَرَّفَا [1]

فجَائِزٌ تَقْدِيمُهُ كَـ (مُسْرِعَا ... ذَا رَاحِلٌ وَمُخْلِصًا زَيْدٌ دَعَا) [2]

يَجُوزُ تقديمُ الحالِ على نَاصِبِها إنْ كانَ فعلًا مُتَصِّرفًا أو صفةً تُشْبِهُ الفعلَ المتصرِّفَ، والمرادُ بها ما تَضَمَّنَ معنى الفعلِ وحُرُوفَه، وقَبِلَ التأنيثَ والتثنيةَ والجمعَ؛ كاسمِ الفاعلِ واسمِ المفعولِ والصفةِ المشبَّهَةِ [3] .

(1) (الحالُ) مبتدأٌ، (إنْ) شَرْطِيَّةٌ، (يُنْصَبْ) فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَبْنِيٌّ للمجهولِ فِعْلُ الشرطِ ونائبُ الفاعلِ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يَعُودُ إلى الحالُ، (بِفِعْلٍ) جارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بِيُنْصَبْ، (صُرِّفَا) صُرِّفَ: فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ للمجهولِ، وفيه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يَعُودُ إلى فِعْلٍ نائبُ فاعلٍ، والجملةُ مِن صُرِّفَ ونائبِ فاعلِهِ في مَحَلِّ جرٍّ نَعْتٌ لِفِعْلٍ، (أو) عاطِفَةٌ، (صِفَةٍ) معطوفٌ على فِعْلٍ، (أَشْبَهَتِ) أَشْبَهَ: فِعْلٌ ماضٍ، والتاءُ للتأنيثِ، والفاعلُ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هي يَعُودُ إلى صِفَةٍ، (المُصَرَّفَا) مفعولٌ به لأَشْبَهَ، والجملةُ مِن أَشْبَهَت وفاعِلِهِ ومفعولِهِ في مَحَلِّ جرٍّ صفةٌ لِقَوْلِهِ (صِفَةٍ) .

(2) (فجائزٌ) الفاءُ لربطِ الجوابِ بالشرطِ، جائزٌ: خبرٌ مُقَدَّمٌ، (تَقْدِيمُهُ) تقديمُ: مبتدأٌ مُؤَخَّرٌ، وتقديمُ مُضافٌ والهاءُ مُضافٌ إليه مِن إضافةِ المصدرِ إلى مفعولِهِ، والجملةُ في مَحَلِّ جَزْمٍ جوابُ الشرطِ، وجملةُ الشرطِ وجوابِه في مَحَلِّ رفعٍ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الذي هو (الحالُ) في أوَّلِ البيتِ السابِقِ، (كمُسْرِعَا) الكافُ جارَّةٌ لقولٍ محذوفٍ، مُسْرِعَا: حالٌ مُقَدَّمٌ على عاملِه، وهو (رَاحِلٌ) الآتي، (ذا) مبتدأٌ، (رَاحِلٌ) خَبَرُ المُبْتَدَأِ، وفيه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو فاعلٌ، وهو صاحِبُ الحالِ، (ومُلْخِصًا) حالٌ مُقَدَّمٌ على عاملِهِ، وهو (دَعَا) الآتي، (زَيْدٌ) مبتدأٌ، وجُمْلَةُ (دَعَا) وفاعِلِهِ المُسْتَتِرِ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يَعُودُ إلى زَيْدٌ في مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرٌ.

(3) أَطْلَقَ الشارِحُ كالناظِمِ القولَ إِطلاقًا في أنه يجوزُ تقديمُ الحالِ على عَامِلِها إذا كانَ هذا العامِلُ فِعْلًا مُتَصَرِّفًا أو صِفَةً تُشْبِهُ الفعلَ المتصرِّفَ، وليسَ هذا الإطلاقُ بِسَدِيدٍ، بل قد يَعْرِضُ أَمْرٌ يُوجِبُ تأخيرَ الحالِ على عاملِها، ولو كانَ فِعْلًا مُتَصَرِّفًا أو صِفَةً تُشْبِهُ الفعلَ المتصرِّفَ، وذلك في أربعةِ مواضِعَ:

الأوَّلُ: أنْ يكونَ العاملُ مُقْتَرِنًا بلامِ الابتداءِ؛ كقولِكَ: إنِّي لأَزُورُكَ مُبْتَهِجًا.

الثاني: أنْ يَقْتَرِنَ العاملُ بلامِ القَسَمِ؛ كقَوْلِكَ: لأَصُومَنَّ مُعْتَكِفًا، وقولِكَ: لأَصْبِرَنَّ مُحْتَسِبًا.

الثالثُ: أنْ يكونَ العاملُ صِلَةً لحرفٍ مصدريٍّ؛ كقَوْلِكَ: إنَّ لكَ أنْ تُسَافِرَ رَاجِلًا، وإنَّ عليكَ أنْ تَنْصَحَ مُخْلِصًا.

الرابِعُ: أنْ يكونَ العاملُ صِلَةً لأَلِ الموصولةِ، كقَوْلِكَ: أَنْتَ المُصَلِّي =فذًا، وعلى المذاكِرِ مُتَفَهِّمًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت