فهرس الكتاب
تَقَدَّمَ أنَّ أَفْعَلَ التفضيلِ لا يَعْمَلُ في الحالِ مُتَقَدِّمَةً، واسْتُثْنِيَ من ذلك هذه المسألةُ، وهي: ما إذا فُضِّلَ شيءٌ في حالٍ على نفسِه أو غيرِه في حالٍ أُخْرَى، فإنَّه يَعْمَلُ في حاليْنِ: إحدَاهُما مُتَقَدِّمَةٌ عليه والأُخْرَى متأخِّرَةٌ عنه، وذلك نحوُ: (زَيْدٌ قائمًا أَحْسَنُ مِنه قاعدًا) ، و (زيدٌ مُفْرَدًا أَنْفَعُ مِن عَمْرٍو مُعَانًا) ، فـ (قائمًا ومُفْرَدًا) منصوبانِ بأَحْسَنُ وأَنْفَعُ، وهما حالانِ، وكذا (قاعدًا ومُعانًا) ، وهذا مَذْهَبُ الجمهورِ.
وزَعَمَ السِّيرَافِيُّ أنهما خبرانِ منصوبانِ بكانَ المحذوفةِ، والتقديرُ: (زيدٌ إذا كانَ قائمًا أَحْسَنُ منه إذا كانَ قاعدًا، وزيدٌ إذا كانَ مُفْرَدًا أَنْفَعُ مِن عمرٍو إذا كانَ مُعَانًا) .
ولا يَجُوزُ تقديمُ هذيْنِ الحاليْنِ على أَفْعَلِ التفضيلِ ولا تَأْخِيرُهُما عنه، فلا تقولُ: (زَيْدٌ قائمًا قاعدًا أَحْسَنُ مِنه) ، ولا تقولُ: (زيدٌ أحسنُ مِنه قائمًا قاعدًا) .
والحَالُ قَدْ يَجِيءُ ذَا تَعَدُّدِ لِمُفْرَدٍ فَاعْلَمْ وغَيْرِ مُفْرَدِ [1]
يَجُوزُ تَعَدُّدُ الحالِ وصَاحِبُها مُفْرَدٌ [2] أو مُتَعَدِّدٌ.
فمثالُ الأوَّلِ: (جاءَ زيدٌ راكبًا ضاحكًا) ، فـ (راكبًا وضاحكًا) حالانِ مِن (زَيْدٍ) ، والعاملُ فيهما جاءَ.
ومثالُ الثاني: (لَقِيتُ هندًا مُصْعِدًا مُنْحَدِرَةً) ، فـ (مُصْعِدًا) حالٌ مِن التاءِ، و (مُنْحَدِرَةً) حالٌ مِن (هِنْدٍ) ، والعاملُ فيهما (لَقِيتُ) ، ومنه قولُه:
190 -لَقِيَ ابْنِي أَخَوَيْهِ خَائِفًا ... مُنْجِدَيْهِ فَأَصَابُوا مَغْنَمَا [3]
(1) (الحالُ) مبتدأٌ، وجُمْلَةُ (يَجِيءُ) وفاعِلِهِ المُسْتَتِرِ فيه في مَحَلِّ رفعٍ خَبَرٌ، (ذا) حالٌ مِن الضميرِ المُسْتَتِرِ في يَجِيءُ، وذا مُضافٌ و (تَعَدُّدِ) مُضافٌ إليه، (لِمُفْرَدٍ) جارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بِتَعَدُّدِ، أو بمَحْذُوفٍ نَعْتٌ لِتَعَدُّدِ، (فَاعْلَمْ) فِعْلُ أَمْرٍ، وفاعِلُهُ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ أنتَ، والجملةُ لا مَحَلَّ لها اعتراضيَّةٌ بينَ المعطوفِ والمعطوفِ عليه، (وغَيْرِ) الواوُ عاطِفَةٌ، غيرِ: معطوفٌ على مُفْرَدِ، وغيرِ مُضافٌ و (مُفْرَدِ) مُضافٌ إليه.
(2) تَرَكَ الشارِحُ بيانَ المواضِعِ التي يَجِبُ فيها تَعَدُّدُ الحالِ، ولِوُجُوبِ ذلكَ مَوْضِعَانِ: أَوَّلُهُما: أنْ يَقَعَ الحالُ بعدَ (إمَّا) ، نحوُ قَوْلِهِ تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} ، وثانيهما: أنْ يَقَعَ الحالُ بعدَ (لا) النافيةِ؛ كقولِكَ: رَأَيْتُ بَكْرًا لا مُسْتَبْشِرًا ولا جَذْلاَنَ.
(3) 190 - البيتُ مِن الشواهدِ التي لا يُعْلَمُ قَائِلُها.
اللغةُ: (مُنْجِدَيْهِ) مُغِيثَيْهِ، وهو مُثَنَّى مُنْجِدٍ، ومُنْجِدٌ: اسمُ فاعلٍ ماضيه أَنْجَدَ، وتقولُ: أَنْجَدَ فلانٌ فُلانًا، إذا أَغَاثَهُ وعَاوَنَه ودَفَعَ عنه المَكْرُوهَ، (أَصَابُوا) نَالُوا وأَدْرَكُوا، (مَغْنَمَا) غَنِيمَةً.
الإعرابُ: (لَقِيَ) فِعْلٌ ماضٍ، (ابْنَي) ابنَ: فاعلُ لَقِيَ: وابنَ مُضافٌ وياءُ المُتَكَلِّمِ مُضافٌ إليه، (أَخَوَيْهِ) مفعولٌ به لِلَقِيَ، والهاءُ مُضافٌ إليه، (خَائِفًا) حالٌ مِن ابْنَي، (مُنْجِدَيْهِ) حالٌ مِن أَخَوَيْهِ، (فَأَصَابُوا) الفاءُ عاطِفَةٌ، أَصَابُوا: فعلٌ وفاعلٌ، (مَغْنَمَا) مفعولٌ بِهِ لأَصَابُوا، والجملةُ مِن أصابَ وفاعِلِهِ ومفعولِهِ معطوفةٌ بالفاءِ على جُمْلَةِ لَقِيَ ومَعْمُولاَتِهِ.
الشاهِدُ فيه: قولُه: (خَائِفًا مُنْجِدَيْهِ) ؛ فإنَّ الحالَ مُتَعَدِّدَةٌ لِمُتَعَدِّدٍ، والنظرةُ الأولى تَدُلُّ على صاحِبِ كلِّ حالٍ فتَرُدُّهُ إليه، فإنَّ واحدًا من الحاليْنِ مفردٌ والآخرُ مُثَنًّى، وكذلك صاحِبَاهُما، فلا لَبْسَ عليك في أنْ تَجْعَلَ المفردَ للمفردِ والمثنَّى للمُثَنَّى.