الصفحة 463 من 811

ولا يُقاسُ على ذلك، خِلافًا لبَعْضِهم, ولُغةُ هُذَيْلٍ إبدالُ حائِها عَيْنًا، وقَرَأَ ابنُ مَسعودٍ: (فَتَرَبَّصُوا بِهِ عَتَّى حِينٍ) . وأمَّا الواوُ فمُخْتَصَّةٌ بالقَسَمِ، وكذلك التاءُ، ولا يَجُوزُ ذِكْرُ فعْلِ القَسَمِ معَهما، فلا تَقولُ:"أُقْسِمُ واللهِ"، ولا:"أُقْسِمُ تَاللهِ".

ولا تَجُرُّ التاءُ إلاَّ لفْظَ"اللهِ"، فتقولُ:"تاللهِ لأَفْعَلَنَّ"، وقد سُمِعَ جَرُّها لـ"رَبِّ"مُضافًا إلى"الكَعْبَةِ"، قالوا:"تَرَبِّ الكَعبةِ"، وهذا معنى قولِه:"والتاءُ للهِ ورَبّ". وسُمِعَ أيضًا:"تَالرحمنِ"، وذَكَرَ الْخَفَّافُ في شرْحِ الكتابِ أنَّهم قالوا:"تَحَيَاتِكَ". وهذا غَريبٌ.

ولا تَجُرُّ"رُبَّ"إلاَّ نَكِرَةً، نحوُ:"رُبَّ رجُلٍ عالِمٍ لَقِيتُ"، وهذا معنى قولِه:"وبِرُبّ مُنَكَّرًا"؛ أيْ: واخْصُصْ برُبَّ النَّكِرَةَ، وقد شَذَّ جَرُّها ضَميرَ الغَيْبَةِ؛ كقَولِه:

202 -وَاهٍ رَأَبْتُ وُشِيكَا صَدْعَ أَعْظُمِهْ ... ورُبَّهُ عَطِبًا أَنْقَذْتُ مِنْ عَطَبِهْ [1]

كما شَذَّ جَرُّ الكافِ له؛ كقولِه:

(1) 202 - هذا البيتُ مِمَّا أَنْشَدَه ثَعْلَبٌ، ولم يَعْزُهُ لقائلٍ مُعَيَّنٍ، وأَنْشَدَه في اللِّسانِ: (رُبَّ) معَ تَغييرٍ طَفيفٍ هكذا:

كائِنْ رَأَبْتُ وَهَايَا صَدْعِ أَعْظُمِهِ

اللُّغَةُ: (رَأَبْتُ) أَصْلَحْتُ وشَعَّبْتُ، مَأخوذٌ مِن قَوْلِهم: رَأَبَ فُلانٌ الصدْعَ، إذا أَصْلَحَه وجَبَرَه، (وَشِيكًا) سَريعًا، (عَطِبًا) هو هنا بكسْرِ الطاءِ صِفَةٌ مُشبَّهَةٌ؛ أيْ: هالِكًا، (مِن عطيهعَطَبِهْ) هو هنا بفتْحِ الطاءِ: مَصدَرٌ بمعنى الْهَلاكِ، وفي اللسانِ (دم العَطَبِ) .

المعنى: رُبَّ شخْصٍ ضَعيفٍ أَشْفَى على الهلاكِ والسقوطِ، فجَبَرْتُ كَسْرَه ورِشْتُ جَنَاحَهُ.

الإعرابُ: (وَاهٍ) هو على تَقديرِ (رُبَّ) ؛ أي: رُبَّ وَاهٍ، فهو مبتَدَأٌ مَرفوعٌ تَقديرًا، (رأيترَأَبْتُ) فعْلٌ وفاعِلٌ، والجملَةُ في مَحَلِّ رفْعٍ خَبَرٌ، (وَشِيكًا) مَفعولٌ مُطلَقٌ عامِلُه رَأَبْتُ؛ أيْ: رَأَبْتُ رَأْبًا وَشِيكًا؛ أيْ: عاجِلًا سَريعًا، (صَدْعَ) مَفعولٌ به لِرَأَبْتُ، وصَدْعَ مُضافٌ وأَعْظُمِ مِن (أَعْظُمِهْ) مُضافٌ إليه، وأَعْظُمِ مُضافٌ والضميرُ مُضافٌ إليه، (ورُبَّهُ عَطِبًا) رُبَّ: حرْفُ تَقليلٍ وجَرٍّ شَبيهٌ بالزائدِ، والضميرُ في مَحَلِّ جَرٍّ برُبَّ، وله مَحَلُّ رفْعٍ بالابتداءِ، (عَطِبًا) تَمييزٌ للضميرِ، (أَنْقَذْتُ) فعْلٌ وفاعلٌ، والجملةُ في مَحَلِّ رفْعٍ خبَرُ المبتَدَأِ الذي هو مَجرورٌ لفْظًا برُبَّ، (مِن عَطَبِه) الجارُّ والمجرورُ متَعَلِّقٌ بأَنْقَذَ، وعَطَبِ مُضافٌ والضميرُ مُضافٌ إليه.

الشاهِدُ فيه: قولُه: (ورُبَّهُ عَطِبًا) ؛ حيثُ جَرَّ (رُبَّ) الضميرَ، وهو شاذٌّ.

واعلَمْ أنَّ العُلماءَ قد اختَلَفُوا في هذا الضميرِ الذي تَدْخُلُ عليه رُبَّ، أمَعْرِفَةٌ هو أَمْ نَكِرَةٌ؟ فذَهَبَ الْجُمهورُ إلى أنَّه مَعرِفَةٌ على أَصْلِه، وذَهَبَ ابنُ عُصفورٍ وجَارُ اللهِ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى أنَّ هذا الضميرَ نَكِرَةٌ؛ لأنه واقِعٌ مَوقِعَ اسمٍ واجِبِ التنكيرِ؛ لأنَّ رُبَّ لا تَجُرُّ غيرَ النَّكِرَةِ، ولان ولأنَّ مَرْجِعَه - وهو التمييزُ - واجبُ التنكيرِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت