الصفحة 465 من 811

وزِيدَ في نفيٍ وشِبْهِهِ فَجَرْ نَكِرَةً كما لِباغٍ مِن مَفَرْ [1]

تَجيءُ"مِن"للتَّبعيضِ، ولِبَيانِ الْجِنْسِ، ولابتداءِ الغايةِ في غيرِ الزمانِ كَثيرًا، وفي الزمانِ قَليلًا، وزَائدةً.

فمِثالُها للتَّبعيضِ قَوْلُكَ:"أَخَذْتُ مِن الدراهِمِ". ومنه قولُه تعالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ} .

ومِثالُها لبَيانِ الْجِنْسِ قولُه تعالَى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ} .

ومِثالُها لابتداءِ الغايةِ في المكانِ قولُه تعالَى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى} .

ومِثالُها لابتداءِ الغايةِ في الزمانِ قولُه تعالَى: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ} ، وقولُ الشاعِرِ:

205 -تُخُيِّرْنَ مِنْ أزمانِ يومِ حَلِيمَةٍ إلى اليومِ قد جُرِّبْنَ كلَّ التَّجَارِبِ [2]

ومِثالُ الزائدةِ:"ما جاءَنِي مِن أحَدٍ"، ولا تُزادُ عندَ جُمهورِ البَصْرِيِّينَ إلاَّ بشَرطينِ:

(1) (وزِيدَ) فعْلٌ ماضٍ مبنى مَبْنِيٌّ للمَجهولِ، ونائِبُ الفاعلِ ضميرٌ مُستَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقديرُه هو يَعودُ إلى مِن، (في نفىنَفْيٍ) جارٌّ ومَجرورٌ متَعَلِّقٌ بزِيدَ، (وشِبْهِهِ) الواوُ عاطِفَةٌ، شِبْهِ: معطوفٌ على نفىنَفْيٍ، وشِبْهِ مُضافٌ وضَميرُ الغائِبِ العائدُ إلى نفى نَفْيٍ مُضافٌ إليه، (فَجَر) الفاءُ عاطِفَةٌ، جَرَّ: فعْلٌ ماضٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُستَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقديرُه هو، (نَكِرَةً) مفعولٌ به لِجَرَّ، (كما) الكافُ جارَّةٌ لقَولٍ مَحذوفٍ، ما: نافِيَةٌ، (لِبَاغٍ) جارٌّ ومَجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، (مِن) زَائدةٌ، (مَفَرْ) مُبتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ.

(2) 205 - البيتُ للنَّابِغَةِ الذبيانىلذُّبْيَانِيِّ، مِن قَصيدةٍ له مَطْلَعُها قولُه:

كلينى كِلِينِي لِهَمٍّ يَا أُمَيْمَةُ نَاصِبِ ... وليلٍ أُقَاسِيهِ بطئ بَطِيءِ الكَوَاكِبِ

اللُّغَةُ: (يومُ حَليمةَ) يَومٌ مِن أيَّامِ العرَبِ المشهورةِ، حَدَثَتْ فيه حرْبٌ طاحِنَةٌ بينَ لَخْمٍ وغَسَّانَ، وحَليمةُ هي بنتُ الحارِثِ بنِ أبي شَمِرٍ الغَسَّانِيِّ، أُضيفَ اليوْمُ إليها؛ لأنَّ أَباها - فيما ذَكَرُوا - حينَ اعْتَزَمَ تَوجيهَ جَيْشِه إلى الْمُنْذِرِ أَمَرَها فجَاءَتْ فطَيَّبَتْهُم، وفي يومِ حَليمةَ وَرَدَ المَثَلُ: ("ما يَوْمُ حَليمةَ بِسِرٍّ) "، يُضرَبُ للأمْرِ المُشْتَهِرِ المعروفِ والذي لا يُستطاعُ كِتمانُه.

وقَبْلَ البيتِ الْمُسْتَشْهَدِ به قولُه:

فَهُمْ يَتَساقَوْنَ الْمَنِيَّةَ بَيْنَهُمْ ... بأَيْدِيهِمْ بِيضٌ رِقاقُ الْمَضَارِبِ

ولا عَيْبَ فيهم غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم ... بِهِنَّ فُلولٌ مِن قِرَاعِ الكَتَائِبِ

الإعرابُ: (تُخُيِّرْنَ) تُخُيِّرَ: فعْلٌ ماضٍ مبنى مَبْنِيٌّ للمَجهولِ، ونونُ النِّسوَةِ - العائدُ على السيوفِ المذكورةِ في البيتِ السابِقِ على بيتِ الشاهِدِ - نائِبُ فاعِلٍ، (مِن أَزمانِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بتُخُيِّرَ، وأَزمانِ مُضافٌ و (يَومِ) مُضافٌ إليه، ويومِ مُضافٌ و (حَليمةٍ) مُضافٌ إليه، (إلى اليومِ) جارٌّ ومَجرورٌ متعلِّقٌ بتُخُيِّرَ، وجُملةُ (قد جرينجُرِّبْنَ) مِن الفعْلِ الماضي المبنى الْمَبْنِيِّ للمَجهولِ ونائِبِ الفاعلِ في مَحَلِّ نَصْبٍ حالٌ، (كلَّ) مَفعولٌ مُطلَقٌ، وكلَّ مُضافٌ، و (التجارِبِ) مُضافٌ إليه.

الشاهِدُ فيه: قولُه: (مِن أزمانِ) ؛ حيثُ وَرَدَتْ (مِن) لابتداءِ الغايَةِ في الزَّمَنِ، وفي المسألةِ كلامٌ طويلُ الذَّيْلِ عميث عَميقُ السيْلِ، وتَلخيصُه أنَّه قد ذَهَبَ جُمهورُ الكُوفِيِّينَ وأبو العَبَّاسِ الْمُبَرِّدُ والأخفَشُ وابنُ دَرَسْتَوَيْهِ مِن البَصرِيِّينَ إلى أنَّ (مِن) قد تأتي لابتداءِ الغايَةِ في الزمانِ، ومالَ إلى هذا المُحَقِّقُ الرَّضِيُّ، وهو الذي ذَهَبَ إليه ابنُ مالِكٍ وابنُ هِشامٍ، وذهَبَ جُمهورُ البَصْرِيِّينَ إلى أنَّها لا تَجيءُ لذلكَ، واتَّفَقَ الْجَميعُ على أنَّها تَأتِي لابتداءِ الغايَةِ في الأَمْكِنَةِ والأحداثِ والأشخاصِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت