الصفحة 466 من 811

أحَدُهما: أنْ يَكونَ المجرورُ بها نَكِرَةً.

الثاني: أنْ يَسْبِقَهَا نَفْيٌ أو شَبَهُهُ، والمرادُ بشَبَهِ النَّفْيِ النَّهْيُ، نحوُ:"لا تَضْرِبْ مِن أحَدٍ"، والاستفهامُ، نحوُ:"هل جَاءَكَ مِن أحَدٍ".

ولا تُزَادُ في الإيجابِ [1] ، ولا يُؤْتَى بها جارَّةً لِمَعْرِفَةٍ، فلا تَقولُ:"جاءَنِي مِن زَيدٍ"، خِلاَفًا للأَخْفَشِ، وجَعَلَ منه قولَه تَعالَى: {يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ} .

وأَجازَ الكُوفِيُّونَ زِيادَتَها في الإيجابِ بشَرْطِ تَنكيرِ مَجرورِها، ومنه عندَهم:"قد كانَ مِن مَطَرٍ"؛ أيْ: قد كانَ مَطَرٌ.

لِلانْتِهَا: حتَّى ولامٌ وإِلَى ومِن وبَاءٌ يُفْهِمَانِ بَدَلاَ [2]

يَدُلُّ على انتهاءِ الغَايَةِ"إلى وحتَّى واللامُ"، والأصْلُ مِن هذه الثلاثةِ"إلى"؛ فلذلك تَجُرُّ الآخِرَ وغيرَه، نحوُ:"سِرْتُ البارِحَةَ إلى آخِرِ الليلِ، أو إلى نِصْفِه"، ولا تَجُرُّ"حتَّى"إلاَّ ما كانَ آخِرًا أو مُتَّصِلًا بالآخِرِ [3] ؛ كقولِه تعالى: {سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} ، ولا تَجُرُّ غيرَهما؛ فلا تَقولُ:"سِرْتُ البارِحَةَ حتَّى نِصْفِ الليلِ". واستعمالُ اللامِ للانتهاءِ قَليلٌ، ومنه قولُه تَعالَى: {كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمَّى} .

ويُسْتَعْمَلُ"مِن"والباءُ بمعنى"بَدَل"، فمِن استعمالِ"مِن"بمعنى"بَدَل"قولُه عَزَّ وجَلَّ: {أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ} ؛ أيْ: بَدَلَ الآخِرَةِ،، وقولُه تعالَى: {وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلاَئِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ} ؛ أيْ: بدَلَكُم.، وقولُ الشاعِرِ:

206 -جَارِيَةٌ لَمْ تَأْكُلِ الْمُرَقَّقَا ... ولَمْ تَذُقْ مِنَ البُقُولِ الفُسْتُقَا [4]

(1) ذكَرَ السعْدُ أنَّ (مِن) الجارَّةَ تُزادُ في الإثباتِ اختيارًا في مَوْضِعٍ واحدٍ، وهو تَمييزُ (كَمِ) الْخَبَرِيَّةِ إذا فُصِلَ بينَى كَمْ وبينَ التمييزِ بفِعْلٍ، ومَثَّلَ له بقولِه تعالَى: {كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ} فمِن: زائدةٌ، وجَنَّاتٍ: تَمييزُ (كَمْ) .

(2) (للانْتِهَا) جارٌّ ومَجرورٌ متَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبَرٌ مُقَدَّمٌ، (حتَّى) قَصَدَ لفْظَه: مُبتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، (ولامٌ وإلى) مَعطوفانِ على حتى، (ومِن) الواوُ للاستئنافِ، مِن قَصَدَ لفْظَه: مُبتدأٌ، (وباءٌ) معطوفٌ على مِن، (يُفْهِمَانِ) فعْلٌ وفاعِلٌ، والجملةُ في مَحَلِّ رفْعٍ خبَرُ الْمُبْتَدَأِ، (بَدَلاَ) مَفعولٌ به ليُفهِمَانِ.

(3) الآيةُ الكريمةُ التي تَلاَهَا الشارِحُ مِثالٌ لِمَا كانَ مُتَّصِلًا بالآخِرِ، ومِثالُ ما كانَ آخِرًا قولُهم: أَكَلْتُ السمَكَةََ حتى رَأْسِها.

واعْلَمْ أنَّ (حتى) الجارَّةَ على ضَرْبَينِ: جارَّةٍ للمفرَدِ الصريحِ، وهذه هي التي لا تَجُرُّ إلا الآخِرَ أو الْمُتَّصِلَ بالآخِرِ، ولا تكونُ إلاَّ غائِيَّةً، وجارَّةٍ لأنِ المصدَرِيَّةِ ومَدْخُولِها، وهذه تَكونُ غائِيَّةً، وتَكونُ تَعليليَّةً وتَكونُ استثنائيَّةً.

(4) 206 - البيتُ لأبى لأبي نُخَيْلَةَ - يَعْمُرَ بنِ حَزْنٍ - السعدىلسَّعْدِيِّ.

اللُّغَةُ: (جارِيَةٌ) هي - في الأَصْلِ - القناة الفتاةُ الشابَّةُ، ثم تُوُسِّعَ فيه فاسْتَعْمَلُوهُ في كلِّ أُمَّةٍ، (الْمُرَقَّقَا) على صِيغةِ اسمِ المفعولِ: الرغيفُ الرقيقُ الواسِعُ، (البُقولِ) جَمْعُ بَقْلٍ، وهو كلُّ نَباتٍ اخْضَرَّتْ به الأرْضُ، (الفُسْتُقَا) بَقْلٌ خاصٌّ مَعروفٌ.

المعنى: يُريدُ أنَّ هذه الجارِيَةَ بَدَوِيَّةٌ لا عَهْدَ لها بالنَّعيمِ، ولم تَسْتَمْرِئْ طَعْمَ الرَّفَهِ، فهي تَأْكُلُ يابِسَ العَيْشِ، لا الرُّغفانَ الرقيقةَ الواسعةَ الْمُسْتَدِييرةَ، وتَذوقُ مِن البُقُولِ ما يَأْكُلُه البَدْوُ عَادَةً، لا الفُسْتُقَ ونحوَه مما هو طَعامُ أهْلِ الْحَضارَةِ والرَّفَاهِيَةِ.

الإعرابُ: (جَارِيَةٌ) خَبَرٌ لِمُبتَدَأٍ محذوفٍ، والتقديرُ: هي جاريةٌ، أو نحوُه، (لم) نافِيَةٌ جازِمَةٌ، (تَأْكُلِ) فعْلٌ مُضارِعٌ مَجزومٌ بلَمْ، وحُرِّكَ بالكسْرَةِ تَلخَلُّصًا مِن الْتِقَاءِ الساكِنَيْنِ، والفاعِلُ ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوازًا تَقديرُه هي يَعودُ على جَارِيَةٌ، (الْمُرَقَّقَا) المَفعولٌ به لتَأْكُلِ، والألِفُ للإطلاقِ، (لم) نافِيَةٌ جازِمَةٌ، (تَذُقْ) فعْلٌ مُضارِعٌ مَجزومٌ بلَمْ، وفيه ضميرٌ مُستَتِرٌ يَرجِعُ إلى الجارِيَةِ فاعلٌ، (مِن البُقولِ) جارٌّ ومَجرورٌ مُتَعَلِّقٌ ِبتَذُقْ، (الفُسْتُقَا) مَفعولٌ به لِتَذُقْ، والألِفُ للإطلاقِ.

الشاهِدُ فيه: (مِن البُقولِ) ؛ حيثُ وَرَدْ (مِن) بمعنى البَدَلِ، يعنى يعني إنها أنَّها لم تَسْتَبْدِلِ الفُسْتُقَ بالبُقولِ، وهكذا قالَ ابنُ مالِكٍ وجماعةٌ مِن النَّحْوِيِّينَ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّ (مِن) هنا للتَّبعيضِ، وعِندَهم أنَّ الفُسْتُقَ بعضُ البُقولِ، وعلى هذا يَجُوزُ أنْ تَكونَ (مِن) اسْمًا بمعنى (بعضٍ) ، ومَوْقِعُها في الإعرابِ على هذا مَفعولٌ به لِتَذُقْ، ويَكونُ قولُه: (الفُسْتُقَا) بَدَلًا منها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت