فهرس الكتاب
تَقَدَّمَ أنَّ الباءَ تَكونُ للظرفيَّةِ وللسبَبِيَّةِ، وذَكَرَ هنا أنَّها تكونُ للاستعانةِ، نحوُ:"كَتَبْتُ بالقلَمِ وقَطَعْتُ بالسِّكِّينِ"، وللتَّعْدِيَةِ، نحوُ:"ذَهَبْتُ بِزيدٍ"، ومِنه قولُه تعالَى: {ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ} . وللتَّعْوِيضِ، نحوُ:"اشتَرَيْتُ الفرَسَ بألْفِ دِرْهَمٍ"، ومنه قولُه تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ} . وللإلصاقِ، نحوُ:"مَرَرْتُ بزَيدٍ"، وبمعنى معَ، نحوُ:"بِعتُكَ الثوبَ بطِرَازِهِ"؛ أيْ: معَ طِرَازِهِ، وبمعنى"مِن"؛ كقولِه:
شَرِبْنَ بِمَاءِ البَحْرِ [1]
أيْ: مِن ماءِ البَحْرِ، وبمعنى"عنْ"، نحوُ: {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ} ؛ أيْ: عن عَذابٍ، وتَكونُ الباءُ أَيضًا للمُصَاحَبَةِ، نحوُ: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} ؛ أيْ: مُصَاحِبًا حَمْدَ رَبِّكَ.
عَلَى لِلاِستِعْلاَ ومعنَى فِي وعَنْ بعَن تَجاوُزًا عَنَى مَن قد فَطِنْ [2]
وقد تَجِي مَوضِعَ بَعْدٍ وعَلَى كما علَى مَوْضِعَ عنْ قَدْ جُعِلاَ [3]
تُسْتَعْمَلُ"على"للاستعلاءِ كَثيرًا، نحوُ:"زَيْدٌ على السَّطْحِ"، وبمعنى"في"، نحوُ قولِه تعالَى: {وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا} ؛ أي: في حِينِ غَفلَةٍ. وتُسْتَعْمَلُ"عن"للمُجاوَزَةِ كَثيرًا، نحوُ:"رَمَيْتُ السهْمَ عن القَوْسِ"، وبمعنى"بعْدَ"، نحوُ قولِه تعالَى: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ} ؛ أيْ: بعْدَ طَبَقٍ، وبمعنى"على"، نحوُ قولِه:
208 -لاهِ ابنُ عمِّكَ لا أَفْضَلْتَ في حَسَبٍ عَنِّي، ولا أَنتَ دَيَّانِي فتَخْزُونِي [4]
(1) هذه قِطعَةٌ مِن بيتٍ هو الشاهِدُ رقْمُ 198، وقد سَبَقَ في أوَّلِ بابِ حُروفِ الْجَرِّ.
(2) (على) قَصَدَ لفْظَه: مُبتَدَأٌ، (لِلاسْتِعْلاَ) قُصِرَ للضَّرورَةِ: جارٌّ ومَجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِمَحذوفٍ خَبَرُ الْمُبتَدَأِ، (ومعنَى) مَعطوفٌ على الاستعلاءِ، ومَعنى مُضافٌ و (في) قَصَدَ لفْظَهُ: مُضافٌ إليه، و (عن) مَعطوفٌ على (في) السابِقِ، (بعَنْ) جارٌّ ومَجرورٌ متَعَلِّقٌ بقَولِه: (عنَى) الاتي الآتِي، (تَجَاوُزًا) مَفعولٌ به مُقَدَّمٌ على عامِلِه، وهو قولُه: (عَنَى) الآتِي، (عَنَى) فعْلٌ ماضٍ، (مَن) اسمٌ مَوصولٌ فاعِلُ عَنَى، (قد) حرْفُ تَحقيقٍ، (فَطِنْ) فعْلٌ ماضٍ، وفاعِلُه ضَميرٌ مُستَتِرٌ فيه جَوازًا تَقديرُه هو يَعودُ إلى مَن الْمَوصولَةِ، والْجُملةُ لا مَحَلَّ لها صِلَةُ الْمَوصولِ؛ أيْ: وعَنَى الذي تَحَقَّقَتْ فِطْنَتُه تَجاوُزًا بعَنْ.
(3) (وقد) حرْفُ تَقليلٍ، (تجىتَجِي) فعْلٌ مُضارِعٌ، وفيه ضَميرٌ مُستَتِرٌ جَوازًا تَقديرُه هي يَعودُ إلى (عن) في البيتِ السابِقِ فاعلٌ، (مَوْضِعَ) ظرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بتَجِيءُ، ومَوْضِعَ مُضافٌ و (بعدٍ) قَصَدَ لفْظَه: مُضافٌ إليه، (وعلى) مَعطوفٌ على بعدٍ، (كما) الكافُ جَارَّةٌ، ما: مَصدرِيَّةٌ، (على) قَصَدَ لَفْظَه: مُضافٌ إليه، (وعلى) مَعطوفٌ على بعدٍ، (كما) الكافُ جارَّةٌ, ما: مَصدرِيَّةٌ، (على) قَصَدَ لَفْظَه: مُبْتَدَأٌ، (مَوْضِعَ) ظرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِه: (جُعِلاَ) الآتِي, ومَوْضِعَ مُضافٌ و (عن) قَصَدَ لفْظَه: مضافٌ إليه، (قد) حرْفُ تَحقيقٍ، (جُعِلاَ) جُعِلَ: فِعْلٌ ماضٍ مبنى مَبنِيٌّ للمَجهولِ، وفيه ضميرٌ مُستَتِرٌ جَوازًا تَقديرُه هو يَعودُ إلى (على) نائبُ فاعلٍ، والألِفُ للإِطلاقِ، والْجُملةُ مِن الفعْلِ ونائبِ الفاعِلِ في مَحَلِّ رفْعٍ خَبَرُ المبتَدَأِ الذي هو (على) المقصودُ لفْظُه.
(4) 208 - البيتُ لِذِي الإِصْبَعِ - حُرْثانَ بنِ الحارِثِ بنِ مُحَرِّثٍ - العَدْوَانِيِّ، مِن كَلِمَةٍ له مَطلَعُها قولُه:
يا مَنْ لِقَلْبٍ طَويلِ البَثِّ مَحزُونِ ... أَمْسَى تَذَكَّرَ رَيَّا أُمَّ هَارُونِ
امسى أَمْسَى تَذَكَّرَها مِن بَعْدِ ما شَحَطَتْ ... والدهْرُ ذُو غِلْظَةٍ حِِينًا وذُو لِينِ
اللغَةُ: (أَفْضَلْتَ) زِدْتَ، (ديانىدَيَّانِي) الدَّيَّانُ: القاهِرُ المالِكُ للأُمورِ الذي يجازى يُجازِي عليها، فلا يَضِيعُ عندَه خبر خَيْرٌ ولا شَرٌّ، (تخزونىتَخْزُونِي) تسومنى تَسُومُنِي الذُّلَّ وتقهرنىوتَقْهَرُنِي.
المعنى: للهِ ابنُ عمِّكَ، فلقَدْ سَاوَاكَ في الْحَجسَبِ، ن وشابَهَكَ في رِفْعَةِ الأصْلِ وشَرَفِ الْمَحْتِدِ ... ، فما مِن مَزِيَّةٍ لكَ عليه، ولا فَضْلَ لكَ فتَفْخَرَ به عليه، ولا أنتَ مالِكَ امره أمْرِه والمُدَبِّرَ لِشُؤونِه فتَقْهَرَه وتُذِلَّه.
الإعرابُ: (لاهِ) أصْلُ هذه الكلِمَةِ (لِلَّهِ) ، فهى فهي جارٌّ ومَجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِمَحذوفٍ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، ثم حَذَفَ لامَ الْجَرِّ وأَبْقَى عمَلَه شُذوذًا، فصَارَ (اللهِ) ، ثم حَذَفَ أدان أداةَ التعريفِ، فصارَ كمَا تَرَى. (ابنُ) مُبْتَدَأٌ مؤَخَّرٌ، وابنُ مُضافٌ وعَمِّ مِن (عَمِّكَ) مُضافٌ إليه، (لا) حَرْفُ نفى نَفْيٍ، (أَفْضَلْتَ) أفْضَلْ: فعْلٌ ماضٍ، والتاءُ ضَميرُ المخاطَبِ فاعلٌ، (في حَسَبٍ) جارٌّ ومَجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بأَفْضَلْتَ، (عَنِّي) مِثْلُه، (ولا) الواوُ عاطِفَةٌ، لا: زَائِدَةٌ لتَأكيدِ النفى النفْيِ، (أنتَ) ضَميرٌ مُنفَصِلٌ مُبتَدَأٌ، (ديانىدَيَّانِي) دَيَّانِ: خَبَرُ الْمُبتَدَأِ، ودَيَّانِ مُضافٌ ويَاءُ الْمُتَكَلِّمِ مُضافٌ إليه، مِن إِضافَةِ الوَصْفِ إلى مَفعولِه، (فتخزونىفتَخْزُونِي) الفاءُ عاطِفَةٌ، تخزونىتَخْزُونِي: فعْلٌ مُضارِعٌ، والنونُ للوِقايَةِ، والياءُ مفعولٌ به، والفاعِلُ ضَميرٌ مُستَتِرٌ فيه وُجوبًا تَقديرُه أنتَ، والجمْلَةُ مِن الفعْلِ والفاعِلِ في مَحَلِّ رفْعٍ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ محذوفٍ، والتقديرُ: فأنتَ تخزونىتَخْزُونِي، وجُملةُ المبتَدَأِ والخبَرِ معطوفةٌ بالفاءِ على جُملةِ المبتَدَأِ والخبَرِ السابِقَةِ، وتَقديرُ الكلامِ: ولا أنتَ ديانى دَيَّانِي فأنتَ تخزونىتَخْزُونِي.
الشاهِدُ فيه: قولُه: (عَنِّي) ؛ فإنَّ (عن) هنا بِمَعنى (على) ، والسرُّ في ذلك أنَّ (أفْضَلَ) بمعنى زادَ في الفضْلِ إنما يَتَعَدَّى بعَلَى.
ومِثلُ ما وَرَدَ في صدْرِ هذا البَيْتِ - مِن قَوْلِه: (لاهِ ابنُ عمِّكَ) - قولُ عمرَ بنِ أبي رَبيعةَ المخزومى الْمَخزوميِّ (البيت 17 مِن القِطعَةِ 23 مِن دِيوانِه بشَرْحِنا) :
قُلتُ: كَلاَّ، لاهِ ابنُ عَمِّكِ بلْ خِفْنَا ... أُمُورًا كُنَّا بها أَغْمَارَا