الصفحة 487 من 811

وشَذَّ إِضافَةُ"لَبَّيْ"إلى الظاهِرِ، أَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:

225 -دَعَوْتُ لِمَا نَابَنِي مِسْوَرًا ... فلَبَّى فلَبَّيْ يَدَيْ مِسْوَرِ [1]

كذا ذَكَرَ المصنِّفُ، ويُفهَمُ مِن كَلامِ سِيبَوَيْهِ أنَّ ذلك غيرُ شاذٍّ في"لَبَّيْ"و"سَعْدَيْ".

ومَذهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ"لَبَّيْكَ"وما ذُكِرَ بعْدَه مُثَنًّى، وأنَّه مَنصوبٌ على الْمَصدَرِيَّةِ بفِعْلٍ مَحذوفٍ، وأنَّ تَثْنِيَتَه المقصودُ بها التكثيرُ، فهو على هذا مُلْحَقٌ بالْمُثَنَّى؛ كقولِه تعالى: {ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ} ؛ أيْ: كَرَّاتٍ، فـ {كَرَّتَيْنِ} ليسَ المرادُ به مَرَّتَيْنِ فقَطْ؛ لقَولِه تعالَى: {يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ} ؛ أيْ: مُزْدَجَرًا وهو كَليلٌ، ولا يَنقَلِبُ البصَرُ مُزْدَجَرًا كَلِيلًا مِن كَرَّتَيْنِ فقَطْ، فتَعَيَّنَ أنْ يَكونَ المرادُ بـ"كَرَّتَيْنِ"التكثيرَ، لا اثنينِ فقَطْ، وكذلك"لَبَّيْكَ"معناه إقامةً بعدَ إقامةٍ، كما تَقَدَّمَ، فليسَ المرادُ الاثنينِ فقَطْ، وكذا باقي أَخَوَاتِه على ما تَقَدَّمَ في تَفسيرِها.

ومَذهَبُ يُونُسَ أنَّه ليسَ بمثَنًّى، وأنَّ أَصْلَه لَبَّى، وأنَّه مَقصورٌ قُلِبَتْ أَلِفُه ياءً معَ الْمُضْمَرِ؛ كما قُلِبَتْ ألِفُ"لَدَى وعَلَى"مع الضميرِ في"لَدَيْهِ"و"عَلَيْهِ".

ورَدَّ عليه سِيبَوَيْهِ بأنَّه لو كانَ الأمْرُ كما ذَكَرَ لم تَنْقَلِبْ ألِفُه معَ الظاهرِ ياءً، كما لا تَنْقلِبُ ألِفُ"لَدَى وعَلَى"، فكما تقولُ:"على زَيدٍ"و"لَدَى زَيدٍ"كذلك كانَ يَنْبَغِي أنْ يُقالَ:"لَبَّى زَيدٍ"، لكنَّهم لَمَّا أَضَافُوهُ إلى الظاهِرِ قَلَبُوا الألِفَ ياءً فقَالُوا:

(1) 225 - هذا البيتُ مِن شَوَاهِدِ سِيبَوَيْهِ التى لا يُعْلَمُ قائِلُها.

اللُّغَةُ: (لِمَا نَبابَنِىي) نَزَلَ بى بي من مُلِمَّاتِ الدَّهْرِ، (مِسْوَرًا) - بزِنَةِ دِرْهَمٍ - اسمُ رَجُلٍ، (لَبَّى) أَجابَ دُعَائِي وأَغَاثَنِي.

الإعرابُ: (دَعوتُ) فعْلٌ وفاعِلٌ، (لِمَا) اللامُ حرْفُ جَرٍّ للتَّعْليلِ، ما: اسمٌ مَوصولٌ مبنى مَبْنِيٌّ على السُّكونِ في مَحَلِّ جَرٍّ باللامِ، والجارُّ والْمَجرورُ متَعَلِّقٌ بدَعوتُ، (نابنىنَابَنِي) نابَ: فعْلٌ ماضٍ، وفاعِلُه ضَميرٌ مُستَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقديرُه هو يَعودُ إلى ما، والنونُ للوِقايَةِ، والياءُ مَفعولٌ به، والْجُملةُ لا مَحَلَّ لها صِلَةُ الموصولِ، (مِسْوَرًا) مَفعولٌ به لدَعوتُ، (فلَبَّى) الفاءُ عاطِفَةٌ، لَبَّى: فعْلٌ ماضٍ، والفاعِلُ ضَميرٌ مُستَتِرٌ فيه جَوازًا تَقديرُه هو يَعودُ إلى مِسْوَرٍ، والجملَةُ مَعطوفةٌ على جُملةِ (دَعوتُ مِسْوَرًا) ، وقولُه: (فلَبَّيْ يَدَيْ مِسْوَرِ) الفاءُ للتعليلِ، ولَبَّيْ: مَصدَرٌ مَنصوبٌ على الْمَفعوليَّةِ الْمُطلقَةِ بفِعْلٍ مَحذوفٍ، وهو مُضافٌ ويَدَيْ مُضافٌ إليه، ويَدَيْ مُضافٌ و (مِسْوَرِ) مُضافٌ إليه.

الشاهِدُ فيه: قولُه: (فَلَبَّيْ يَدَيْ مِسْوَرِ) ؛ حيثُ اضاف أَضافَ (لَبَّيْ) إلى اسمٍ ظاهِرٍ، وهو قولُه: (يَدَيْ) شُذوذًا، وفيه دَليلٌ على أنَّ (لَبَّيْكَ) مُثَنًّى كما ذَهَبَ إليه سِيبَوَيْهِ، وليسَ مُفرَدًا مَقصورًا كالفَتَى، كما ذَهَبَ إليه يُونُسُ بنُ حَبيبٍ، وقد بَيَّنَّا ذلك في شرْحِ الشاهِدِ السابِقِ، وبيَّنَه الشارِحُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت