فهرس الكتاب
تَقَدَّمَ أنَّ الأسماءَ الْمُضافَةَ إلى الْجُملةِ على قِسمينِ:
أحَدُهما: ما يُضافُ إلى الْجُملةِ لُزومًا.
والثاني: ما يُضافُ إليها جَوَازًا.
وأَشارَ في هَذينِ البَيتيْنِ إلى أنَّ ما يُضافُ إلى الْجُملةِ جَوازًا يَجُوزُ فيه الإعرابُ والبناءُ، سواءٌ أُضيفَ إلى جُملةٍ فِعليَّةٍ صُدِّرَتْ بماضٍ، أو جُملةٍ فِعليَّةٍ صُدِّرَتْ بِمُضارِعٍ، أو جُملةٍ اسْمِيَّةٍ، نحوُ:"هذا يَومَُ جاءَ زيدٌ، ويومَُ يَقومُ عَمْرٌو، أو يَوْمَُ بكرٌ قائِمٌ".
وهذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، وتَبِعَهم الفَارِسِيُّ والمصَنِّفُ، لكنَّ المختارَ فيما أُضيفَ إلى جُملةٍ فِعلِيَّةٍ صُدِّرَتْ بماضٍ البناءُ، وقد رُوِيَ بالبِناءِ والإعرابِ قولُه:
227 -... على حِينَِ عاتَبْتُ الْمَشِيبَ على الصِّبَا [1]
بفَتْحِ نُونِ"حِينَِ"على البِناءِ وكَسْرِها على الإعرابِ.
(1) 227 - هذا صَدْرُ بَيْتٍ للنَّابِغَةِ الذُّبْيَانِيِّ وعَجُزُه قولُه:
فقُلتُ: أَلَمَّا أَصْحُ والشَّيْبُ وَازِعُ؟
اللُّغَةُ: (عاتَبْتُ) لُمْتُ في تَسَخُّطٍ، (الصِّبَا) - بكسْرِ الصادِ - اسمٌ للصَّبْوَةِ، وهي الْمَيْلُ إلى هَوَى النفْسِ واتِّباعُ شَهَوَاتِها، (الْمَشِيبَ) هو ابْيِضَاضُ الْمُسْوَدِّ مِن الشَّعَرِ، وقد يُرادُ به الدُّخولُ في حَدِّهِ، (أَصْحُ) فعْلٌ مُضارِعٌ مَأخوذٌ مِن الصَّحْوِ، وهو زَوالُ السُّكْرِ، (وَازِعُ) زَاجِرٌ، كافٍّ، نَاهٍ.
الإعرابُ: (على) حرْفُ جَرٍّ، ومعناه هنا الظَّرْفِيَّةُ، (حِينِ) يُرْوَى بالجَرِّ مُعْرَبًا، ويُرْوَى بالفتْحِ مَبنِيًّا، وهو الْمُختارُ، وعلى كلِّ حالٍ هو مَجرورٌ بعَلَى لفْظًا أو مَحَلاًّ، والجارُّ والمجرورُ يتَعَلَّقُ بقَولِه: (كَفْكَفَ) في بيتٍ سابِقٍ، وهو قولُه:
فكَفْكَفْتُ منى مِنِّي دَمْعَةً فرَدَدْتُهَا ... على النحْرِ مِنها مُسْتَهِلٌّ ودامِعُ
(عاتَبْتُ) فعْلٌ وفاعِلٌ، والجملةُ في مَحَلِّ جَرٍّ بإضافَةِ (حِينَ) إليها، (الْمَشِيبَ) مَفعولٌ به لِعَاتَبْتُ، (على الصِّبَا) جارٌّ ومَجرورٌ متَعَلِّقٌ بعَاتَبْتُ، (فقُلتُ) فعْلٌ وفاعِلٌ، والجملةُ مَعطوفةٌ بالفاءِ على جُملةِ عتاتَبْتُ، (أَلَمَّا) الهمزَةُ للإنكارِ، لَمَّا: نافِيَةٌ جازِمَةٌ، وفيها معنَى تَوَقُّعِ حُصولِ مَجزومِها، (أَصْحُ) فعْلٌ مُضارِعٌ مَجزومٌ بلَمَّا، وعلامَةُ جَزْمِهِ حَذْفُ حرْفِ العِلَّةِ، وفاعِلُه ضَميرٌ مُستَتِرٌ فيه وُجوبًا تَقديرُه أَنَا، (والشَّيْبُ وَازِعُ) الواوُ واوُ الحالِ، والجملةُ بعْدَها مُبتَدَأٌ وخَبَرٌ في مَحَلِّ نصْبٍ حالٌ.
الشاهِدُ فيه: قولُه: (على حِينَِ) ؛ فإنَّه يُرْوَى بوَجْهَيْنِ: بِجَرِّ (حِينِ) وفَتْحِه، وقد بَيَّنَّا ذلك في الإعرابِ، فدَلَّ ذلك على أنَّ كلِمَةِ (حِينِ) إذا أُضِيفَتْ إلى مبنى مَبْنِيٍّ كما هنا جازَ فيها البِناءُ؛ لأنَّ الأسماءَ الْمُبْهَمَةَ التي تَجِبُ إضافتُها إلى الْجُملَةِ إذا أُضِيفَتْ إلى مبنى مَبْنِيٍّ فقَدْ تَكتَسِبُ البِناءَ منه، كما أنَّ الْمُضافَ قد يَكتسِبُ التذكيرَ أو التأنيثَ مِن الْمُضافِ إليه، ويَجوزُ فيها الإعرابُ على الأَصْلِ.