الصفحة 491 من 811

وما وَقَعَ قَبْلَ فِعْلٍ مُعْرَبٍ، أو قَبْلَ مُبتَدَأٍ فالْمُختارُ فيه الإعرابُ، ويَجوزُ البِناءُ، وهذا معنَى قولِه:"ومَن بَنَى فلَنْ يُفَنَّدَا"؛ أيْ: فلَنْ يَغْلَطَ، وقد قُرِئَ في السَّبْعَةِ: (هَذَا يَوْمَُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ) بالرفْعِ على الإعرابِ، وبالفتْحِ على البِناءِ، هذا ما اخْتَارَه الْمُصنِّفُ.

ومَذْهَبُ البَصرِيِّينَ أنَّه لا يَجوزُ فيما أُضيفَ إلى جُملةٍ فِعليَّةٍ صُدِّرَتْ بِمُضارِعٍ أو إلى جُملةٍ اسْمِيَّةٍ إلاَّ الإعرابُ، ولا يَجوزُ البِناءُ إلاَّ فيما أُضيفَ إلى جُملةٍ فِعليَّةٍ صُدِّرَتْ بِمَاضٍ، هذا حُكْمُ ما يُضافُ إلى الْجُمْلَةِ جَوازًا، وأَمَّا ما يُضافُ إِلَيْهَا وُجوبًا فلازِمٌ للبِناءِ؛ لِشَبَهِه بالحرْفِ في الافتقارِ إلى الْجُملةِ، كحيثُ وإذْ وإذَا.

وأَلْزَمُوا إِذَا إضافةً إلى جُمَلِ الأفعالِ كهُنْ إذَا اعْتَلَى [1]

أَشارَ في هذا البيتِ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُه مِن أنَّ"إذا"تَلْزَمُ الإضافةَ إلى الْجُملةِ الفِعليَّةِ، ولا تُضافُ إلى الْجُملةِ الاسميَّةِ، خِلافًا للأخفَشِ والكُوفِيِّينَ، فلا تَقولُ:"أَجِيئُكَ إذا زَيْدٌ قائمٌ"، وأمَّا"أَجيئُكَ إذا زَيدٌ قامَ"فـ"زَيدٌ"مَرفوعٌ بفعْلٍ محذوفٍ، وليسَ مَرفوعًا على الابتداءِ، هذا مَذهَبُ سِيبَوَيْهِ.

وخالَفَه الأخفَشُ فجَوَّزَ كَونَه مُبتدأً، خَبَرُه الفعْلُ الذي بَعْدَه.

وزَعَمَ السِّيرَافِيُّ أنَّه لا خِلاَفَ بينَ سِيبَوَيْهِ والأخفَشِ في جَوَازِ وُقوعِ الْمُبتَدَأِ بعدَ إذَا، وإِنَّمَا الْخِلاَفُ بينَهما في خَبَرِه، فسِيبَوَيْهِ يُوجِبُ أنْ يَكونَ فِعْلًا، والأخْفَشُ يُجَوِّزُ أنْ يَكونَ اسْمًا، فيَجُوزُ في"أَجِيئُكَ إذَا زَيدٌ قامَ"جَعْلُ"زيدٌ"مُبتَدَأً عندَ سِيبَوَيْهِ والأخفْشِ، ويَجُوزُ"أَجيئُكَ إذا زَيدٌ قائمٌ"عندَ الأَخْفَشِ فقَطْ [2] .

لِمُفْهِمِ اثنينِ مُعَرَّفٍ بِلاَ تَفَرُّقٍ أُضيفَ كِلْتَا وكِلاَ [3]

مِن الأسماءِ الْمُلازِمَةِ للإضافةِ لفْظًا ومعنًى"كِلْتَا وكِلاَ"، ولا يُضافانِ إلاَّ إلى مَعرِفَةٍ مُثَنًّى لفْظًا ومَعنًى، نحوُ:"جاءَني كِلاَ الرَّجُلَيْنِ وكِلْتَا الْمَرأتيْنِ"،، أو مَعنًى دُونَ لفْظٍ، نحوُ:"جاءَني كِلاهما وكِلتاهما"، ومنه قولُه:

228 -إنَّ للخيرِ وللشَّرِّ مَدًى ... وكِلاَ ذلك وَجْهٌ وقَبَلْ [4]

(1) (وأَلْزَمُوا) فعْلٌ وفاعِلٌ، (إذا) قَصَدَ لفْظَه: مَفعولٌ أوَّلُ الكلام لأَلْزَمَ، (إِضَافَةً) مَفعولٌ ثانٍ لأَلْزَمُوا، (إلى جُمَلِ) جارٌّ ومَجرورٌ متَعَلِّقٌ بقَولِه: إِضافَةً، أو بمحذوفٍ صِفَةٌ له، وجُمَلِ مُضافٌ و (الأفعالِ) مُضافٌ إليه، (كهُن) الكافُ جارَّةٌ لقَوْلٍ مَحذوفٍ، هُنْ: فعْلُ أمْرٍ، وفاعِلُه ضَميرٌ مُستَتِرٌ فيه وُجوبًا تَقديرُه أنتَ، (إذا) ظرْفٌ تَضَمَّنَ مَعنَى الشرْطِ، وجُملَةُ (اعْتَلَى) وفاعِلُه الْمُستَتِرُ فيه جَوازًا تَقديرُه هو في مَحَلِّ جَرٍّ بإضافَةِ (إذا) إليها، وَجوابُ (إذا) مَحذوفٌ يَدُلُّ عليه سابِقُ الكلامِ.

(2) قد يُسْتَدَلُّ للأَخْفَشِ بقَولِ الشاعِرِ:

إذا باهلى بَاهِلِيٌّ تَحْتَهُ حَنْظَلِيَّةٌ ... لهُ ولَدٌ منها فذاكَ الْمُذَرَّعُ

وأَنصارُ سِيبَوَيْهِ يُخَرِّجونَ هذا البيتَ على أنَّ (كانَ) مُضمَرَةٌ بعْدَ إذا، وكأنَّه قدْ قالَ: إذا كانَ باهلىباهِلِيٌّ، فتَكونُ إذا مُضافَةً إلى جُملَةٍ فِعليَّةٍ، وهو تَكَلُّفٌ.

(3) (لِمُفْهِمِ) جارٌّ ومَجرورٌ متَعَلِّقٌ بقَولِه: (اضيفأُضيفَ) الآتي، ومُفْهِمِ مُضافٌ و (اثنينِ) مُضافٌ إليه، (مُعَرَّفٍ) صِفَةٌ لِمُفْهِمِ، (بلا تَفَرُّقٍ) الجارُّ والمجرورُ متَعَلِّقٌ بِمَحذوفٍ صِفةٌ ثانيةٌ لِمُفْهِمِ، (أُضِيفَ) فعْلٌ ماضٍ مبنى مَبنِيٌّ للمَجهولِ، (كلتا) نائِبُ فاعلٍ، و (كِلاَ) مَعطوفٌ على كِلْتَا.

(4) 228 - البيتُ لعَبْدِ اللهِ بنِ الزِّبَعْرَى، أحَدِ شُعراءِ قُريشٍ الْمَعدودينَ، وكانَ في أوَّلِ الدَّعوةِ الإسلاميَّةِ مُشْرِكًا يَهْجُو الْمُسلمينَ، ثم أَسْلَمَ، والبيتُ مِن كَلِمَةٍ له يَقولُها وهو مُشرِكٌ في يَوْمِ أُحُدٍ.

اللُّغَةُ: (مَدًى) غَايةً ومُنْتَهَى، (وَجْهٌ) جِهَةٌ، (وقَبَلْ) - بفتْحِ القافِ والباءِ جَميعًا - له عِدَّةُ مَعانٍ، ومنها الْمَحَجَّةُ الواضِحَةُ.

المعنى: يَقولُ: إنَّ للخيرِ وللشرِّ غايَةً ينتهى يَنتهِي إليها كلُّ واحِدٍ مِنهما، وإنَّ ذلك أمْرٌ واضِحٌ لا يَخْفَى على أحَدٍ.

الإعرابُ: (إنَّ) حرْفُ تَوكيدٍ ونَصْبٍ، (للخيرِ) جارٌّ ومَجرورٌ متَعَلِّقٌ بِمَحذوفٍ خَبَرُ (إنَّ) مُقَدَّمٌ على اسْمِه، (وللشَّرِّ) مَعطوفٌ على للخَيْرِ، (مَدًى) اسمُ (إِنَّ) مُؤَخَّرٌ عن خَبَرِه، (وكِلاَ) مُبتَدَأٌ، وكِلاَ مُضافٌ واسمُ الإشارَةِ في (ذلك) مُضافٌ إليه، واللامُ للبُعْدِ، والكافُ حَرْفُ خِطَابٍ، (وَجْهٌ) خَبَرُ الْمُبتَدَأِ و (قَبَلْ) مَعطوفٌ عليه.

الشاهدُ فيه: قولُه: (وكِلاَ ذلك) ؛ حيثُ أَضافَ (كِلاَ) إلى مفرَدٍ لفْظًا، وهو (ذلك) ؛ لأنه مُثَنًّى في المعنَى؛ لِعَوْدِه على اثنينِ، وهما الْخَيْرُ والشَّرُّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت