الصفحة 496 من 811

وهي مَنصوبةٌ على التَّمييزِ [1] ، وهو اختيارُ المصنِّفِ؛ ولهذا قالَ:"ونَصْبُ غُدْوَةٍ بها عنهم نَدَرْ"، وقِيلَ: هي خبرٌ لكانَ المحذوفَةِ، والتقديرُ: لَدُنْ كانَتِ الساعةُ غُدوةً.

ويَجوزُ في"غُدوةٍ"الْجَرُّ، وهو القِياسُ، ونَصْبُها نادِرٌ في القِياسِ، فلو عَطَفْتَ على"غُدوةً"المنصوبَةِ بعْدَ"لَدُنْ"جازَ النَّصْبُ؛ عَطْفًا على اللفْظِ، والْجَرُّ؛ مُراعاةً للأَصْلِ، فتَقولُ:"لَدُنْ غُدوةً وعَشِيَّةً وعَشِيَّةٍ". ذكَرَ ذلك الأَخْفَشُ.

وحَكَى الكُوفِيُّونَ الرفْعَ في"غُدوةٍ"بعْدَ"لَدُنْ"، وهو مَرفوعٌ بكانَ المحذوفةِ، والتقديرُ: لَدُنْ كانتْ غُدوةٌ، و"كانَ"تامَّةٌ.

وأمَّا"معَ"فاسمٌ لِمَكانِ الاصطحابِ أو وَقتِه، نحوُ:"جَلَسَ زيدٌ معَ عمرٍو، وجاءَ زَيدٌ معَ بَكْرٍ"، والْمَشهورُ فيها فتْحُ العَيْنِ، وهي مُعرَبَةٌ، وفَتْحَتُها فتحةُ إعرابٍ، ومِن العرَبِ مَن يُسَكِّنُها، ومِنهُ قولُه:

234 -فَرِيشِي مِنكُمُ وهَوَايَ مَعْكُمْ ... وإنْ كانتْ زِيارتُكُم لِمَامَا [2]

وزَعَمَ سِيبَوَيْهِ أنَّ تَسكينَها ضَرورةٌ، وليسَ كذلكَ، بل هو لُغةُ رَبيعةَ، وهي عندَهم مَبنيَّةٌ على السُّكونِ، وزعَمَ بعضُهم أنَّ الساكِنَةَ العَيْنِ حرْفٌ، وادَّعَى النَّحَّاسُ الإجماعَ على ذلك، وهو فاسِدٌ؛ فإنَّ سِيبَوَيْهِ زعَمَ أنَّ ساكِنَةَ العَيْنِ اسمٌ.

(1) في نَصْبِ غُدوةً ثَلاثةُ أقوالٍ، ذكَرَ الشارِحُ اثْنَيْنِ مِنها، وثالثُها أنه على التَّشبيهِ بالمفعولِ به.

(2) 234 - البيتُ لِجَريرِ بنِ عَطِيَّةَ، مِن قَصيدةٍ له يَمْدَحُ فيها هِشامَ بنَ عبدِ الْمَلِكِ بنِ مَرْوانَ.

اللُّغَةُ: (ريشىرِيشِي) الرِّيشُ والرِّيَاشُ يُطلَقانِ على عِدَّةِ مَعانٍ، منها اللِّبَاسُ الفاخِرُ، والخَصْبُ، والْمَعاشُ، والقوَّةُ، (لِمَامَا) - بكسْرِ اللامِ - متَقَطِّعَةً بعْدَ كلِّ حِينٍ مَرَّةً.

الإعرابُ: (فَرِيشِي) رِيشِ: مُبتَدَأٌ، وهو مُضافٌ ويَاءُ الْمُتَكَلِّمِ مُضافٌ إليه، (مِنكم) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خَبَرُ الْمُبتدأِ، (وهواىوهَوَايَ) هَوَى: مُبتَدَأٌ، وهوَى مُضافٌ ويَاءُ المتكلِّمِ مُضافٌ إليه، (مَعَكُمْ) معَ: ظرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خَبَرُ الْمُبتدَأِ، ومعْ مُضافٌ والضميرُ مُضافٌ إليه، (وإنِ) الواوُ واوُ الحالِ، إنْ: قالَ العينى العَيْنِيُّ وغيرُه: زائدةٌ، (كانَ) فعْلٌ ماضٍ، (زِيارَتُكم) زِيارةُ: اسْمُ كانَ، وزِيارَةُ مُضافٌ والضميرُ مُضافٌ إليه، مِن إضافَةِ الْمَصدَرِ لِمَفعولِه، والفاعِلُ مَحذوفٌ؛ لأنَّ العامِلَ مَصدَرٌ، فيَجوزُ معَه حذْفُ الفاعِلِ؛ أيْ: زيارتى زِيارَتِي إيَّاكُم، ويَجوزُ أنْ تكونَ مِن إِضافَةِ الْمَصْدَرِ لفاعِلِه؛ أيْ: زِيارَتُكم إياى إِيَّايَ، (لِمَامَا) خَبَرُ كانَ.

الشاهِدُ فيه: قولُه: (مَعْكُمْ) ؛ حيثُ سكَّنَ العينَ مِن (مَعْ) ، وهو عندَ سِيبَوَيْهِ ضَرورةٌ لا يَجُوزُ ارْتِكَابُها إلاَّ في الشِّعْرِ، لكنَّ الذي نقَلَه غيرُه مِن العُلماءِ أنَّ قَوْمًا مِن العرَبِ بأَعْيَانِهم - وهم قَيْسُ - مِن لُغَتِهم تَسْكِينُها، فعلى هذه اللُّغَةِ يَجوزُ تَسكِينُها في سَعَةِ الكلامِ، ولا شَكَّ أنَّ مَن حَفِظَ حُجَّةٌ على مَن لم يَحفَظْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت