فهرس الكتاب
وتَبْقَى في هذه الحالةِ كالمضافِ لفْظًا، فلا تُنَوَّنُ إلاَّ إذا حُذِفَ ما تُضافُ إليه، ولم يُنْوَ لفْظُه ولا مَعناهُ، فتكونُ حِينَئِذٍ نَكِرَةً، ومنه قِراءةُ مَن قَرأَ: (لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلٍ وَمِنْ بَعْدٍ) بجَرِّ"قَبْلٍ وبَعدٍ"وتَنوينِهما، وكقولِه:
236 -فَسَاغَ لِيَ الشرابُ وكُنْتُ قَبْلًا ... أَكادُ أَغَصُّ بالماءِ الْحَميمِ [1]
هذه الأحوالُ الثلاثةُ التي تُعْرَبُ فيها.
أمَّا الحالَةُ الرابعةُ التي تُبْنَى فيها، فهي إذا حُذِفَ ما تُضافُ إليه ونُوِيَ مَعناهُ دُونَ لفْظِه، فإنها تُبْنَى حِينَئذٍ علَى الضمِّ، نحوُ: {لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ} ، وقولِه:
237 -... أَقَبُّ مِن تَحْتُ عَرِيضٌ مِن عَلِ [2]
(1) 236 - البيتُ ليَزيدَ بنِ الصَّعِقِ، حدَّثَ أبو عُبيدةَ، قالَ: كانتْ بلادُ غَطَفانَ مُخْصِبَةً، فرَعَتْ بنو عامِرِ بنِ صَعْصَعَةَ ناحِيَةً منها، فأَغارَ الرَّبِيعُ بنُ زِيادٍ العبسى العَبْسِيُّ على يَزيدَ بنِ الصَّعِقِ، وكانَ يَزِيدُ في جماعةٍ مِن الناسِ، فلَم يَسْتَطِعْهُ الرَّبيعُ، فأَقْبَلَ على سُروحِ بني جَعْفَرٍ والوَحيدِ ابنِ كِلابٍ، فأَخَذَ نَعْمَه، فحَرَّمَ يَزيدُ على نفْسِه النِّساءَ والطِّيبَ حتى يُغِيرَ عليه، فجمَعَ قَبائِلَ شَتَّى، فاستاقَ نَعْمًا كثيرةً له ولغَيْرِه، واصاب وأصابَ عصافيرَ النُّعمانِ بنِ الْمُنذِرِ - وهي إبِلٌ مَعروفةٌ عندَهم - ففى ففِي ذلك يَقولُ يَزيدُ بنُ الصَّعِقِ أَبياتًا منها بيتُ الشاهِدِ، ومنه قولُه:
أَلاَ أَبْلِغْ لَدَيْكَ أَبَا حُرَيْثٍ ... وعاقِبَةُ الْمَلامَةِ للمُلِيمِ
فكيفَ تَرى معاقبتى مُعاقَبَتِي وسَعْيِي ... باذواد بأَذوادِ القَصِيبَةِ والقَصِيمِ
وهذا دَليلٌ على أنَّ مَن رَوَى عَجُزَ البَيْتِ: (بالماءِ الفُراتِ) لم يُصِبْ.
اللُّغَةُ:"سَاغَ"سَهُلَ جَرَيانُه في الْحَلْقِ، (أغَصُّ) مُضارِعٌ مِن الغَصَصِ -بالتحريكِ- وهو اعتراضُ اللُّقْمَةِ ونحوِها في الحلْقِ حتى لا تَكادَ تَنْزِلُ، (الماءُ الحميمُ) هو هنا البارِدُ, وهو مِن الأَضْدَادِ, يُطْلَقُ على الحارِّ وعلى البارِدِ، (الْمُلِيمُ) الذي فعَلَ ما يُلامُ عليه.
المعنى: يَقولُ: لم يَكُنْ يَهْنَأُ لى لي طَعامٌ ولا يَلَذُّ لي شَرابٌ بِسَبَبِ ما كانَ لي مِن الثَّأْرِ عندَ هَؤلاءِ، فلَمَّا غَزَوْتُهم وأَطْفَأْتُ لَهيبَ صدرى صَدْرِي بالغَلَبَةِ عَليهم ساغَ شَرَابِي ولَذَّتْ حياتىحَياتِي.
الإعرابُ: (فسَاغَ) فِعْلٌ ماضٍ، (لي) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بساغَ، (الشرابُ) فاعلُ ساغَ، (وكُنْتُ) الواوُ للحالِ، كانَ: فعْلٌ ماضٍ ناقِصٌ، والتاءُ ضَميرُ المتكلِّمِ اسمُه، (قَبْلًا) مَنصوبٌ على الظَّرفيَّةِ يتَعَلَّقُ بكانَ، (أَكادُ) فعْلٌ مُضارِعٌ، واسمُه ضَميرٌ مُستَتِرٌ فيه وُجوبًا تَقديرُه أنَا، (أَغَصُّ) فعْلٌ مُضارِعٌ، وفاعلُه ضميرٌ مُستَتِرٌ فيه وُجوبًا تَقديرُه أنا، والجُملَةُ في مَحَلِّ نصْبٍ خبَرُ أَكادُ، وجُملةُ (أَكادُ) واسمِها وخَبَرِها في مَحَلِّ نصْبٍ خَبَرُ (كانَ) ، وجُملةُ كانَ واسْمِها وخَبَرِها في مَحَلِّ نصْبٍ حالٌ، (بالماءِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِه: (أَغَصُّ) ، و (الْحَميمُ) صِفَةٌ للماءِ.
الشاهِدُ فيه: قولُه: (قَبْلًا) ؛ حيثُ أَ عْرَبَه مُنَوَّنًا؛ لأنه قَطَعَه عن الإضافَةِ لفْظًا ومَعْنًى.
(2) 237 - هذا البيتُ لأبى لأبي النَّجْمِ العجلى العِجْلِيِّ يَصِفُ فيه الفَرَسَ، مِن أُرْجُوزَةٍ له يَصِفُ فيها أَشياءَ كثيرةً، وأوَّلُ هذه الأُرْجُوزَةِ قولُه:
الحمْدُ للهِ العلى العَلِيِّ الأَجْلَلِ ... الواسِعِ الفضْلِ الوَهُوبِ الْمُجْزِلِ
اللُّغَةُ: (أَقَبُّ) مَأخوذٌ مِن القَبَبِ، وهو دِقَّةُ الْخَصْرِ وضُمورُ البَطْنِ.
الإعرابُ: (اقبأَقَبُّ) خَبَرٌ لِمُبتدأٍ مَحذوفٍ؛ أيْ: هو أَقَبُّ، (مِن) حرْفُ جَرٍّ، (تحتُ) ظَرْفٌ مبنى مَبنِيٌّ على الضمِّ في مَحَلِّ جَرٍّ بمِنْ، والجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بقولِه: (أقَبُّ) ، وقولُه: (عَريضٌ) خَبَرٌ ثانٍ، (مِن عَلِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بعَريضٌ.
الشاهِدُ فيه: ذَكَرُوا أنَّ مَكانَ الاستشهادِ بهذا البيتِ في قولِه: (مِن تحتُ ومِن عَلِ) ؛ حيثُ بنى بُنِيَ الظَّرفانِ على الضمِّ؛ لأنَّ كُلاًّ مِنهما قد حُذِفَ منه لفْظُ المضافِ إليه ونُوِيَ معناه.
هكذا قالوا: وهو كَلامٌ خَالٍ عن التَّحقيقِ؛ لأنَّ قوافى قَوَافِيَ الأُرْجُوزَةِ كلَّها مَجرورةٌ كما رَأَيْتَ في البَيتيْنِ اللَّذَيْنِ أنْشَدْنَاهما في أوَّلِ الكلامِ على هذا الشاهِدِ، فيَكونُ قَولُه: (مِن عَلِ) مَجرورًا لفْظًا بِمِن، ويَكونُ مِن الحالةِ الثانيةِ التي حُذِفَ فيها الْمُضافُ إليه ونوى ونُوِيَ لفْظُه، ويكونُ الاستشهادُ للحالةِ الرابعةِ بقولِه: (مِن تَحتُ) وحْدَه، فاحفَظْ ذلك، ولا تَكُنْ أَسيرَا التَّقليدِ.