الصفحة 500 من 811

لكِنْ بشرطِ أنْ يَكونَ ما حُذِفْ مُمَاثِلًا لِمَا عليهِ قد عُطِفْ [1]

قد يُحذَفُ المضافُ، ويَبْقَى المضافُ إليه مَجرورًا كما كانَ عندَ ذكْرِ المضافِ، لكنْ بشَرْطِ أنْ يَكونَ المحذوفُ مُماثِلًا لِمَا عليه قد عُطِفَ؛ كقولِ الشاعِرِ:

238 -أَكُلَّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَأً ... ونارٍ تَوَقَّدُ بالليلِ نَارَا [2]

والتقديرُ:"وكلَّ نارٍ"، فحَذَفَ"كلَّ"وبَقِيَ المضافُ إليه مَجرورًا كما كانَ عندَ ذِكْرِها، والشرْطُ مَوجودٌ، وهو العَطْفُ على مُمَاثِلِ المحذوفِ، وهو"كلَّ"في قولِه:"أكُلَّ امْرِئٍ".

وقد يُحْذَفُ الْمُضافُ ويَبْقَى الْمُضافُ إليه على جَرِّه، والمحذوفُ ليسَ مُمَاثِلًا للمَلفوظِ، بل مُقابِلٌ له؛ كقولِه تعالَى: (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدَ الآخِرَةِ) في قِراءةِ مَن جَرَّ"الآخِرَةِ"، والتقديرُ"واللهُ يُريدُ باقِي الآخِرَةِ"، ومِنهم مَن يُقَدِّرُه:"واللهُ يُريدُ عَرَضَ الآخِرَةِ"، فيكونُ المحذوفُ على هذا مُمَاثِلًا للمَلفوظِ به. والأوَّلُ أَوْلَى، وكذا قَدَّرَه ابنُ أبي الرَّبيعِ في شرحِه للإيضاحِ.

(1) (لكِنْ) حرْفُ استِدْرَاكٍ، (بشَرْطِ) جارٌّ ومجرورٌ، قالَ الْمُعْرِبونَ: إنَّه مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ حالٌ: إمَّا مِن فاعِلِ (جَرُّوا) في البيتِ السابِقِ، وإِمَّا مِن مَفعولِه، وعندى وعِندِي أنَّه لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكونَ مُتعَلِّقًا بمحذوفٍ خَبَرٌ لِمُبتَدَأٍ مَحذوفٍ، والتقديرُ: لكنْ ذلك الْجَرُّ كائِنٌ بشَرْطِ .... إلخ، (أنْ) مَصدرِيَّةٌ، (يَكونُ) فعْلٌ مُضارِعٌ ناقِصٌ مَنصوبٌ بأنْ، (ما) اسمٌ مَوصولٌ: اسمُ يَكونُ، وجُملةُ (حُذِفْ) ونائبِ الفاعِلِ الْمُستَتِرُ فيه لا مَحَلَّ لها صِلَةٌ، (مُمَاثِلًا) خبَرُ يَكونُ، (لِمَا) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِمُمَاثِلٍ، (عليه) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بعُطِف الأتىلآتي، وجُملةُ (عُطِفْ) معَ نائِبِ الفاعِلِ الْمُستَتِرِ فيه لا مَحَلَّ لها صِلَةُ ما الْمَوصولَةِ المجرورةِ مَحَلاًّ باللامِ.

(2) 238 - البيتُ لأبى لأبي دَاوُدَ الإِيَادِيِّ، واسمُه جَاريةُ بنُ الْحَجَّاجِ.

الإعرابُ: (أَكُلَّ) الهمزةُ للاستفهامِ الإِنكارِيِّ، كُلَّ: مَفعولٌ أوَّلُ لتَحْسَبِينَ مقَدَّمٌ عليه، وكلُّ مُضافٌ (وامْرِئٍ) مُضافٌ إليه، (تَحْسَبِينَ) فعْلٌ وفاعِلٌ، (امْرَأً) مَفعولٌ ثانٍ، (ونارٍ) الواوُ عاطِفَةٌ، والمعطوفُ محذوفٌ، والتقديرُ: وكلَّ نارٍ، فنارٍ مُضافٌ إليه في الأصْلِ، وذلك المعطوفُ المحذوفُ - وهو الْمُضافُ - هو المعطوفُ على (كُلَّ امْرِئٍ) المتَقَدِّمِ، (تَوَقَّدُ) أصلُه تتَوَقَّدُ، فحَذَفَ إِحْدَى التاءَيْنِ، وهو فعْلٌ مُضارِعٌ، والفاعلُ ضميرٌ مُستَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقديرُه هي يَعودُ إلى النارٍ، والجُملَةُ صفَةٌ لنَارٍ، (بالليلِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بتَوَقَّدُ، (نارَا) معطوفٌ على قولِه: (امْرأً) المنصوبِ السابقِ.

الشاهِدُ فيه: قولُه: (ونارٍ) ؛ حيثُ حُذِفَ المضافُ - وهو كلَّ الذي قَدَّرْناهُ في إعرابِ البيتِ - وأَبْقَى الْمُضافَ إليه مَجرورًا، كما كانَ قَبلَ الحذْفِ؛ لِتَحَقُّقِ الشرْطِ, وهو أنَّ المضافَ المحذوفَ مَعطوفٌ على مماثِلٍ له، وهو (كلَّ) في قولِه: (أكُلَّ امْرِئٍ) وإنما لم تُجْعَلْ (نارٍ) المجرورُ مَعطوفًا عَلَى (امْرِئٍ) المجرورِ؛ لأنه يَلزَمُ عليه أنْ يَكونَ الكلامُ مشتَمِلًا على شَيئينِ - وهما، (نارٍ) (ونَارَا) - مَعطُوفَيْنِ على مَعمولَيْنِ - وهما، (امْرِئٍ) و (امْرَأً) - لعامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وهما (كُلَّ) العامِلُ في (امْرِئٍ) المجرورِ بِناءً على أنَّ انْجِرَارَ المضافِ إليه بالمضافِ، والعامِلُ الثاني (تَحْسَبِينَ) العاملُ في (امْرَأً) المنصوبِ، والعاطِفُ واحدٌ، وهو الواوُ، وذلك لا يَجُوزُ، ولكنَّا لَمَّا جَعَلْنَا (نارٍ) المجرورَ مَجرورًا بتَقديرِ المضافِ المحذوفِ، وجَعَلْنَا هذا المحذوفَ مَعطوفًا على (كُلَّ) لم يَبقَ إلاَّ عامِلٌ واحدٌ في المعطوفِ عليهما وهو (تَحْسَبِينَ) ؛ إذ هو عامِلٌ في (كلَّ) وفي (امْرَأً) الْمَنْصُوبَيْنِ على انهما أنَّهما مَفعولانِ لتَحْسَبِينَ، والعطْفُ على مَعمُولَيْنِ لعامِلٍ واحدٍ جائزٌ بالإجماعِ، وهذا واضِحٌ بعدَ هذا البَيانِ، إنْ شاءَ اللهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت