فهرس الكتاب
التقديرُ:"سهْلَها وحَزْنَها"، فحُذِفَ ما أُضِيفَ إليه"سَهْلَ"؛ لدَلالةِ ما أُضيفَ إليه"حَزْنَ"عليه.
هذا تَقريرُ كَلامِ المصَنِّفِ، وقد يُفعلُ ذلك وإنْ لم يُعطَفْ مُضافٌ إلى مِثلِ المحذوفِ مِن الأوَّلِ؛ كقولِه:
ومِن قَبْلِ نَادَى كُلُّ مَوْلًى قَرَابَةً ... فما عَطَفَتْ مَوْلًى عليه العَوَاطِفُ [1] [235]
فحُذِفَ ما أُضيفَ إليه"قَبْلِ"، وأَبقاهُ على حالِه لو كانَ مُضافًا، ولم يُعْطَفْ عليه مُضافٌ إلى مِثْلِ المحذوفِ،، والتقديرُ:"ومِن قَبْلِ ذلكَ"، ومِثلُه قِراءَةُ مَن قَرَأَ شُذوذًا: (فَلاَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ) ؛ أيْ: فَلاَ خَوفُ شَيءٍ عليهم [2] .
وهذا الذي ذَكَرَه الْمُصنِّفُ مِن أنَّ الحذْفَ مِن الأوَّلِ، وأنَّ الثانِيَ هو الْمُضافُ إلى الْمَذكورِ هو مَذهَبُ الْمُبَرِّدِ، ومَذهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ الأصْلَ"قطَعَ اللهُ يَدَ مَن قالَها ورِجْلَ مَن قالَها"، فحُذِفَ ما أُضيفَ إليه"رِجْلَ"فصارَ"قطَعَ اللهُ يَدَ مَن قالَها ورِجْلَ"، ثم أَقْحَمَ قولَه:"ورِجْلَ"بينَ المضافِ، وهو"يَدَ"، والمضافِ إليه الذي هو"مَن قالَها"، فصارَ"قطَعَ اللهُ يَدَ ورِجْلَ مَن قالَها" [3] .
فعلى هذا يَكونُ الحذْفُ مِن الثاني، لا مِن الأَوَّلِ، وعلى مَذهَبِ الْمُبَرِّدِ بالعكْسِ.
قالَ بعضُ شُرَّاحِ الكتابِ: وعندَ الفَرَّاءِ [4] يكونُ الاسمانِ مُضافَيْنِ إلى"مَن قالَها"، ولا حذْفَ في الكلامِ، لا مِن الأوَّلِ ولا مِن الثانِي.
فَصْلَ مُضافٍ شِبْهِ فِعْلٍ ما نَصَبْ مَفعولًا او ظَرْفًا أَجِزْ ولم يُعَبْ [5]
(1) هذا هو الشاهِدُ رَقْمُ 235، وقد تَقَدَّمَ الكلامُ على هذا الشاهِدِ مُسْتَوْفًى، والشاهِدُ فيه مَعَنَا قولُه: (قبلِ) حيثُ حَذَفَ المضافَ إليه، وأَبْقَى المضافَ على حالِه الذي كان قبلَ الحذْفِ مِن غيرِ تَنوينٍ، مع أنَّ الشَّرْطَيْنِ - وهما العطْفُ والمماثَلَةُ - غيرُ متَحَقِّقَيْنِ؛ لأنه ليسَ مَعطوفًا عليه اسمٌ مضافٌ إلى مِثلِ المحذوفِ، وهذا قَليلٌ.
(2) هي قِراءةُ ابنِ مُحَيْصِنٍ، بضَمِّ الفاءِ مِن (خَوْفُ) مِن غيرِ تَنوينٍ، على أنَّ (لا) مهْمَلَةٌ أو عامِلَةٌ عمَلَ ليسَ، وقَرَأَ يَعقوبُ بفتْحِ الفاءِ مِن (خوفَ) بلا تنوينٍ أيضًا، ويَجوزُ - على هذه القِراءةِ - أنْ تَكونَ (لا) عامِلَةً عمَلَ إنَّ، والفتحَةُ فَتحةُ بِناءٍ، ولا شاهِدَ في الآيةِ على ذلك، كما يَجوزُ أنْ تَكونَ عامِلَةً عمَلَ إنَّ، والفتْحَةُ فتْحَةُ إعرابٍ، والمضافُ إليه مَنْوِيٌّ؛ أيْ: فلا خَوْفَ شيءٍ، فيَكونُ الكلامُ مما نحنُ بصَدَدِه أَيضًا.
(3) ومِثلُ هذا الْمِثالِ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ هَمَّامِ بنِ غالِبٍ:
يا مَن رَأَى عارِضًا اسر أُسَرُّ بِهِ ... بينَ ذِرَاعَيْ وجَبْهَةِ الأسْدِ
وقد جَرَى الخِلافُ الْمَذكورُ بينَ الْمُبَرِّدِ وسِيبَوَيْهِ في قولِ الشاعِرِ، وهو مِن شَواهِدِ الْمَسألَةِ أيْضًا.
يا تَيْمَ تَيْمَ عدى عَدِيٍّ لا أَبَا لكُمُ ... لا يُلْقِيَنَّكُمُ في سَوْأَةٍ عُمَرُ
وقولِ الآخَرِ، وهو مِن شَواهِدِ الْمَسألَةِ أَيضًا:
يا زيدَ زيدَ اليَعْمَلاَتِ الذُّبَّلِ ... تَطاوَلَ الليلُ عَليكَ فانْزِلِ
إذا نَصَبْتَ أوَّلَ النِّدَاءَيْنِ، فقالَ الْمُبَرِّدُ: المنادَى الأوَّلُ مُضافٌ إلى مُماثِلٍ للمَذكورِ معَ الثانِي. وقالَ سِيبَوَيْهِ: الأوَّلُ مُضافٌ إلى ما بعْدَ الثاني، وقد حُذِفَ الذي يُضافُ الثاني إليه، والثاني مُقْحَمٌ بينَ الْمُضافِ والْمُضافِ إليه.
(4) الفَرَّاءُ يَخُصُّ هذا بلَفْظَيْنِ يَكْثُرُ استمعالُهما معًا، كاليَدِ والرِّجْلِ في ("قَطَعَ اللهُ يَدَ ورِجْلَ مَن قالَها) "، والربُعِ والنصْفِ في نحوِ: ("خُذْ رُبُعَ ونِصْفَ هذا) "، وقبلَ وبعدَ في قولِك: ("رَضِيتُ عنْكَ قَبْلَ وبعْدَ ما حدَثَ) "، بخِلافِ نحوِ: ("هذا غُلامُ ودارُ هِنْدٍ) "مِن كلِّ لَفْظَيْنِ لا يَكثُرُ استعمالُهما معًا.
(5) (فصْلَ) مَفعولٌ به مُقَدَّمٌ لأَجِزْ، وفصْلَ مُضافٌ و (مُضافٍ) مُضافٌ إليه مِن إِضافَةِ الْمَصْدَرِ لِمَفعولِه، (شِبْهِ) نعْتٌ لِمُضافٍ، وشِبْهِ مُضافٌ و (فِعْلٍ) مُضافٌ إليه، (ما) اسمٌ مُوصولٌ: فاعِلُ الْمَصدَرِ، (نَصَبْ) فعْلٌ ماضٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُستَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقديرُه هو، والجُملَةُ لا مَحَلَّ لها صِلَةُ ما، والعائدُ مَحذوفٌ، وأصلُه ما نَصَبَه، (مَفعولًا) حالٌ مِن (ما) الْمَوصولةِ، (أو) عاطِفَةٌ، (ظَرْفًا) معطوفٌ على قولِه: مَفعولًا، (أَجِزْ) فعلُ أمْرٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُستَتِرٌ فيه وُجوبًا تَقديرُه أنتَ، (ولم) نافيةٌ جازِمَةٌ، (يُعَبْ) فعْلٌ مُضارِعٌ مبنى مَبنيٌّ للمَجهولِ مَجزومٌ بلمْ، وعَلاَمَةُ جَزْمِه السُّكونُ.