الصفحة 512 من 811

فـ"أَعداءَهُ"مَنصوبٌ بـ النِّكايَةِ، و"عُروةَ"مَنصوبٌ بـ"التَّأْبِينَ"، و"مُسْمِعًا"مَنصوبٌ بـ"الضرْبِ".

وأشارَ بقولِهِ: و"لاسْمِ مَصْدَرٍ عَمَلْ"إلى أنَّ اسمَ الْمَصدَرِ قد يَعمَلُ عَمَلَ الفعْلِ، والمرادُ باسْمِ الْمَصدَرِ ما ساوَى الْمَصْدَرَ في الدَّلالةِ [1] على مَعناهُ، وخالَفَه بخُلُوِّه لفْظًا وتَقديرًا مِن بعضِ ما في فِعْلِه دُونَ تَعويضٍ؛ كعَطَاءٍ، فإنَّه مُساوٍ لإعطاءٍ مَعْنًى ومُخَالِفٌ له بِخُلُوِّهِ مِن الْهَمزَةِ الْمَوجودَةِ في فِعْلِه، وهو خَالٍ منها لَفْظًا وتَقديرًا، ولم يُعَوَّضْ عنها شيءٌ.

واحتَرَزَ بذلك مِمَّا خَلاَ مِن بعضِ ما في فِعْلِه لفْظًا ولم يَخْلُ مِنه تَقديرًا؛ فإنه لا يَكونُ اسمَ مَصدَرٍ، بل يَكونُ مَصدرًا، وذلكَ نحوُ:"قِتَالٍ"؛ فإنه مَصدَرُ"قاتَلَ"، وقد خَلاَ مِن الألِفِ التي قَبْلَ التاءِ في الفِعْلِ، ولكنْ خَلاَ مِنها لفْظًا، ولم يَخْلُ مِنها تَقديرًا؛ ولذلك نُطِقَ بها في بَعضِ المواضِعِ، نحوُ:"قاتَلَ قِيتَالًا، وضَارَبَ ضِيرَابًا"، لكنِ انقَلَبَتِ الألِفُ ياءً لكسْرِ ما قَبْلَها.

واحتَرَزَ بقولِه:"دُونَ تَعويضٍ"مِمَّا خَلاَ مِن بعْضِ ما في فعْلِه لفْظًا وتَقديرًا، ولكنْ عُوِّضَ عنه شيءٌ؛ فإنَّه لا يكونُ اسمَ مَصدَرٍ، بل هو مَصدَرٌ، وذلك نحوُ:"عِدَةٍ"؛ فإنه مَصدَرُ"وَعَدَ"، وقد خَلاَ مِن الواوِ التي في فِعْلِه لفْظًا وتَقديرًا، ولكنْ عُوِّضَ عنها التاءَ.

(1) اعلَمْ أوَّلًا أنَّ العُلماءَ يَختَلِفُونَ فيما يَدُلُّ عليه اسمُ المصْدَرِ، فقالَ قَومٌ: هو دالٌّ على الحدَثِ الذي يَدُلُّ عليه المصدَرُ. وعلى هذا يَكونُ مَعنى المصدَرِ واسمِ الْمَصدَرِ وَاحِدًا، وقالَ قَوْمٌ: اسمُ المصدَرِ يَدُلُّ على لفْظِ المصدَرِ الذي يَدُلُّ على الحدَثِ، فيَكونُ اسمُ الْمَصدَرِ دَالاًّ على الحدَثِ بوَاسِطَةِ دَلالتِه على لفْظِ المصدَرِ. وعلى هذا يكونُ معنَى المصدَرِ ومَعنى اسمِ المصدَرِ مُختَلِفَيْنِ.

واعلَمْ ثانيًا أنَّ المصدَرَ لا بُدَّ أنْ يَشتَمِلَ على حروفِ فعْلِه الأَصليَّةِ والزائدةِ جَميعًا: إمَّا بتَساوٍ، مِثْلُ: تَغافَلَ تَغافُلًا، وتَصَدَّقَ تَصَدُّقًا، وإمَّا بزِيادةٍ، مثْلُ أَكْرَمَ إِكرامًا، وزَلْزَلَ زَلْزَلَةً، وانه وأنَّه لا يَنقُصُ فيه مِن حُروفِ فِعْلِه شيءٌ، إلاَّ أنْ يُحْذَفَ لعِلَّةٍ تَصريفِيَّةٍ، ثُمَّ تَارَةً يُعَوِّضُ عن ذلك المحذوفِ حرْفٌ، فيَكونُ المحذوفُ كالمذكورِ، نحوُ: أَقامَ إقامَةً، ووَعَدَ عِدَةً، وتارَةً يُحْذَفُ لفْظًا، لا لعِلَّةٍ تَصريفيَّةٍ، ولكنَّه مَنْوِيٌّ مَعنويٌّ، نحوُ: قاتَلَ قِتالًا، ونازَلْتُه نِزَالًا، والأصْلُ فيهما: فيتالا قِيتَالًا ونِيزالًا، وقد أَوْضَحَ لكَ الشارِحُ ذلك.

فإنْ نقَصَ الدالُّ على الحدَثِ عن حُروفِ فِعْلِه، ولم يُعَوَّضْ عن ذلك الناقِصِ، ولم يَكُنِ الناقِصُ مَنويًّا، كانَ اسمَ مَصدَرٍ، نحوُ: أَعْطَى عَطاءً، وتَوضَّأَ وُضوءًا، وتَكَلَّمَ كَلامًا، وأَجابَ إِجابةً، وأَطاعَ طَاعةً، وسلَّمَ سَلاَمًا، وتَطَهَّرَ طُهُورًا.

وإنْ كانَ المرادُ به اسمَ الذاتِ، مِثْلُ الكُحْلِ والدُّهْنِ، فليسَ بِمَصْدَرٍ ولا با سمِ مَصدَرٍ، حتى لو اشتَمَلَ على حروفِ الفعْلِ، وقد اتَّضَحَ لكَ مِن هذا البيانِ اسمُ المصدَرِ اتِّضاحًا لا لَبْسَ فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت