فهرس الكتاب
252 -بعِشْرَتِكَ الكِرامَ تُعَدُّ مِنْهُمْ ... فلا تُرَيَنْ لغَيرِهِمُ أَلُوفَا [1]
وإعمالُ اسمِ الْمَصْدَرِ قَليلٌ، ومَنِ ادَّعَى الإجماعَ على جَوازِ إعمالِه فقَدْ وَهِمَ؛ فإنَّ الْخِلافَ في ذلك مَشهورٌ [2] ، وقالَ الصَّيْمَرِيُّ: إعمالُه شاذٌّ. وأَنْشَدَ: أَكُفْرًا. البيتَ* وقالَ ضِياءُ الدِّينِ بنُ العلجِ في البَسيطِ: ولا يَبْعُدُ أنَّ ما قَامَ مَقامَ الْمَصدَرِ يَعمَلُ عمَلَه، ونُقِلَ عن بعضِهم أنَّه قد أَجازَ ذلك قِيَاسًا.
وبعدَ جَرِّهِ الذي أُضيفَ لَهْ كَمِّلْ بنَصبٍ أو برَفْعٍ عَمَلَهْ [3]
يُضافُ الْمَصْدَرُ إلى الفاعِلِ فيَجُرُّه ثم يَنْصِبُ المفعولَ، نحوُ:"عَجِبْتُ مِن شُرْبِ زَيدٍ العَسَلَ"، وإلى المفعولِ، ثم يَرفَعُ الفاعِلَ، نحوُ:"عَجِبْتُ مِن شُرْبِ العسَلِ زَيدٌ"، ومنه قولُه:
253 -تَنْفِي يَدَاهَا الْحَصَى في كُلِّ هاجِرَةٍ نفْيَ الدَّرَاهِيمِ تَنْقَادُ الصَّيَارِيفِ [4]
(1) 252 - البيتُ مِن الشواهِدِ التى التي لا يُعلَمُ قائِلُها، وهو مِن شَواهِدِ الأشمونى الأَشْمُونِيِّ، (رَقْم 685)
اللُّغَةُ: (بعِشْرَتِكَ) العِشرَةُ - بكسْرِ العَيْنِ - اسمُ مَصدَرٍ بِمَعنى الْمُعاشَرَةِ، (أَلُوفَا) بفتْحِ الْهَمزَةِ وضَمِّ اللامِ - أي: مُحِبًّا، ويُرْوَى:
فلاَ تَرَيَنْ لغَيْرِهِمُ الْوَفَاءَ
ببِناءَ تَرَى للمَعلومِ، والمرادُ نَهْيُه عن أنْ ينطوى يَنْطَوِيَ قَلْبُه على الوَفاءِ لغَيْرِ كِرامِ الناسِ.
الإعرابُ: (بعِشْرَتِكَ) الجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بقَولِه: (تُعَدُّ) الآتي، وعِشرةِ مُضافٌ والكافُ مُضافٌ إليه مِن إضافَةِ اسمِ المصدَرِ إلى فاعِلِه، (الكِرامَ) مَفعولٌ به لعِشرَةِ، (تُعَدُّ) فعْلٌ مُضارِعٌ مبنى مَبنيٌّ للمَجهولِ، ونائِبُ الفاعلِ ضميرٌ مُستَتِرٌ فيه وُجوبًا تَقديرُه أنتَ، وهو المفعولُ الأوَّلُ لتُعَدَّ، (مِنهم) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بتُعَدُّ، وهو المفعولُ الثانِي، (فَلاَ) الفاءُ فاءُ الفَصيحَةِ، لا: ناهِيَةٌ، (تُرَيَنْ) فعْلٌ مُضارِعٌ مبنى مَبنيٌّ للمَجهولِ، مبنى مَبنيٌّ على الفتْحِ؛ لاتِّصالِه بنُونِ التوكيدِ الْخَفيفَةِ في مَحَلِّ جزْمٍ بلا، ونائبُ الفاعلِ ضميرٌ مُستَتِرٌ فيه وُجوبًا تَقديرُه أنتَ، وهو المفعولُ الأوَّلُ، (لغَيْرِهم) الجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بقولِه: (أَلُوفَا) الآتي، وغيرِ مُضافٌ والضميرُ مُضافٌ إليه، (أَلُوفَا) مَفعولٌ ثانٍ لتُرَى.
الشاهِدُ فيه: قولُه: (بعِشرَتِكَ الكِرامَ) ؛ فإنه قد أَعْمَلَ اسمَ المصدَرِ، وهو قولُه: (عِشرَةِ) عمَلَ الفعْلِ، فنصَبَ به المفعولَ به، وهو قولُه، (الكِرامَ) ، بعْدَ إضافَتِه إلى فاعِلِه.
(2) اسمُ المصدَرِ إمَّا أنْ يَكونَ عَلَمًا، مِثلُ يَسارٍ وبَرَّةٍ وفِجَارٍ، وأما وإمَّا أنْ يَكونَ مَبدوءًا بميمٍ زائدةٍ؛ كالْمَحْمَدَةِ والْمَتْرَبَةِ، وام وإمَّا ألاَّ يَكونَ وَاحِدًا مِنهما، فالأوَّلُ لا يَعْمَلُ إِجماعًا، والثاني يَعمَلُ إِجماعًا، والثالثُ هو مَحَلُّ الخِلافِ.
(3) ، (وبعدَ) ظرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بقَولِه: (كَمِّلِ) الآتِي، وبعدَ مضافٌ وجَرِّ مِن (جَرِّهِ) مُضافٌ إليه، وجَرِّ مُضافٌ والضميرُ مُضافٌ إليه مِن إضافَةِ الْمَصدَرِ لفَاعِلِه، (الذي) اسمٌ مَوصولٌ: مَفعولٌ به للمَصدَرِ الذي هو جَرِّ، (أُضيفَ) فعْلٌ ماضٍ مبنى مَبنيٌّ للمَجهولِ، ونائِبُ الفاعلِ ضميرٌ مُستَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقديرُه هو يَعودُ إلى الذي، (لهْ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بأُضيفَ، والجُملَةُ مِن الفعْلِ ونائبِ الفاعِلِ لا مَحَلَّ لها صِلَةُ الموصولِ، (كَمِّلْ) فعلُ أمْرٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُستَتِرٌ فيه وُجوبًا تَقديرُه أنتَ، (بنَصْبٍ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بكَمِّلْ، (أو) عاطِفَةٌ، (برَفْعٍ) مَعطوفٌ على (بنَصْبٍ) ، (عمَلَهْ) عمَلَ مَفعولٌ به لكَمِّلْ، وعمَلَ مُضافٌ والهاءُ مُضافٌ إليه.
(4) 253 - البيتُ للفَرَزْدَقِ يَصِفُ ناقةً، وهو مِن شَواهِدِ سِيبَوَيْهِ، (1/ 10) ومِن شَواهِدِ الأَشْمُونِيِّ، (رَقْم 689) وابنِ هِشامٍ في قَطْرِ النَّدَى، (رَقْم 124) ، وفي أوْضَحِ الْمَسالِكِ (رَقْم 567) .
اللُّغَةُ: (تنفىتَنْفِي) تَدفَعُ، وبَابُه رَمَى، (الْحَصَى) جَمْعُ حَصَاةٍ، (هاجِرَةٍ) هي نصْفُ النهارِ عندَ اشتدادِ الْحَرِّ، (انظُرْ شرْحَ الشاهِدِ الآتِي 254) ، (الدَّرَاهِيمِ) جمْعُ دِرْهَمٍ، وزِيدَتْ فيه الياءُ كما حُذِفَتْ مِن جَمْعِ مِفتاحٍ في قولِه تعالَى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ} . وقِيلَ: لا حذْفَ ولا زِيادةَ، بل مَفاتِحُ جَمْعُ مَفْتَحٍ، ودَرَاهِيمُ جَمْعُ دِرْهَامٍ، (تَنقادُ) مَصدَرُ نَقَدَ، وتَاؤُه مَفتوحةٌ، وهو مِثلُ تَذْكَارٍ وتَقتالٍ وتبتاع وتَبْيَاعٍ بمعنَى الذِّكْرِ والقتْلِ والبَيْعِ، (الصَّيَارِيفِ) جَمْعُ صيرفىصَيْرَفِيٍّ.
المعنى: إنَّ هذه الناقَةَ تَدْفَعُ يَدُها الْحَصَى عن الأرْضِ في وَقْتِ الظَّهيرَةِ واشتدادِ الْحَرِّ كمَا يَدفَعُ الصيرفى الصَّيْرَفِيُّ الناقِدُ الدراهِمَ، وكَنَّى بذلك عن سُرعَةِ سَيْرِها وصَلابَتِها وصَبْرِها على السَّيْرِ، وخَصَّ وقْتَ الظَّهيرةِ؛ لأنه الوقْتُ الذي تَعْيَا فيه الإِبِلُ ويَأخُذُها الكَلالُ والتَّعَبُ، فإذا كانَتْ فيه جَلْدَةٌ فهى فهي في غَيْرِه أكثَرُ جَلاَدَةً واشد وأَشَدُّ اصْطِبَارًا.
الإعرابُ: (تنفىتَنْفِي) فعْلٌ مُضارِعٌ، (يَدَاهَا) يَدَا: فاعِلُ تنفى تَنْفِي مَرفوعٌ بالألِفِ؛ لأنه مُثَنًّى، ويَدَا مُضافٌ وها مضافٌ إليه، (الْحَصَى) مَفعولٌ به لتنفى لتَنْفِي، (في كُلِّ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بتَنْفِي، وكلِّ مُضافٌ و (هَاجِرَةٍ) مُضافٌ إليه، (نفىنَفْيَ) مَفعولٌ مُطلَقٌ عامِلُه تنفىتَنْفِي، ونفى ونَفْيَ مُضافٌ و (الدَّرَاهِيمِ) مُضافٌ إليه، مِن إِضافَةِ المصدَرِ إلى مَفعولِه، (تَنْقَادُ) فاعِلُ المصدَرِ الذ ي هو نفىنَفْيَ، وتَنقادُ مُضافٌ و (الصَّيارِيفِ) مُضافٌ إليه، مِن إضافَةِ الْمَصدَرِ لفَاعِلِه.
الشاهِدُ فيه: قولُه: (نفى نَفْيَ الدَّرَاهِيمِ تَنْقَادُ) ؛ حيثُ اضاف أَضافَ الْمَصدَرَ - وهو قولُه: (نفىنَفْيَ) - إلى مَفعولِه - وهو قولُه: (الدَّرَاهِيمِ) - ثم اتى أَتَى بفاعِلِه مَرفوعًا، وهو قولُه: (تَنقادُ) .