فهرس الكتاب
وليسَ هذا الثاني مَخصوصًا بالضَّرورةِ، خِلافًا لبَعضِهم، وجَعَلَ منه قولَه تعالَى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} . فأَعْرَبَ"مَن"فاعِلًا بِحِجُّ، ورُدَّ بأنه يَصيرُ المعنَى: وللهِ على جَميعِ الناسِ أنْ يَحُجَّ البَيتَ الْمُستطيعُ. وليسَ كذلكَ فـ"مَن"بَدَلٌ مِن"الناسِ"، والتقديرُ: وللهِ على الناسِ مُستَطِيعِهم حَجُّ البيتِ. وقِيلَ:"مَن"مُبتدَأٌ والخبَرُ مَحذوفٌ، والتَّقديرُ: مَنِ استطاعَ مِنهم فَعَلَيْهِ ذلك. ويُضافُ الْمَصدَرُ أَيضًا إلى الظرْفِ، ثم يَرفَعُ الفاعِلَ ويَنصِبُ الْمَفعولَ، نحوُ:"عَجِبْتُ مِن ضرْبِ اليومِ زيدٌ عَمْرًا".
وجُرَّ ما يَتْبَعُ ما جُرَّ ومَنْ رَاعَى في الاِتْباعِ الْمَحَلَّ فَحَسَنْ [1]
إذا أُضيفَ الْمَصْدَرُ إلى الفاعِلِ ففَاعِلُه يَكونُ مَجرورًا لفْظًا، مَرفوعًا مَحَلاًّ، فيَجوزُ في تَابِعِه مِن الصِّفَةِ والعطْفِ وغيرِهما مُراعاةُ اللفْظِ، فيُجَرُّ، ومُراعاةُ الْمَحَلِّ فيُرفَعُ، فتَقولُ:"عجِبْتُ مِن شُرْبِ زَيدٍ الظريفِ والظَّريفُ". ومِن إِتباعِه على الْمَحَلِّ قَولُه:
254 -حَتَّى تَهَجَّرَ في الرَّوَاحِ وَهَاجَها طَلَبَ الْمُعَقِّبِ حَقَّهُ الْمَظلومُ [2]
(1) (جُرَّ) فعلُ أمْرٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُستَتِرٌ فيه وُجوبًا تَقديرُه أنتَ، (ما) اسمٌ مَوصولٌ: مَفعولٌ به لِجُرَّ، (يَتْبَعُ) فعْلٌ مُضارِعٌ، وفيه ضَميرٌ مُستَتِرٌ جَوَازًا تَقديرُه هو فاعِلٌ، والجُملَةُ لا مَحَلَّ لها مِن الإعرابِ صِلَةُ الموصولِ، (ما) اسمٌ مَوصولٌ: مَفعولٌ به ليَتْبَعُ، (جُرَّ) فعْلٌ ماضٍ مبنى مَبنيٌّ للمَجهولِ، ونائبُ الفاعلِ ضميرٌ مُستَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقديرُه هو يَعودُ إلى ما، والجُملَةُ لا مَحَلَّ لها صِلَةٌ، (ومَن) اسمُ شرْطٍ مُبتدَأٌ، (رَاعَى) فعْلٌ ماضٍ فعْلُ الشرْطِ، (في الاتْباعِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِرَاعَى، (الْمَحَلَّ) مَفعولٌ به لرَاعَى، (فحَسَن) الفاءُ لربْطِ الجوابِ بالشرْطِ، حسَنْ: خبَرٌ لِمُبتدَأٍ مَحذوفٍ تَقديرُه: فهو حسَنٌ, والجُملَةُ مِن الْمُبتدَأِ والخبَرِ في مَحَلِّ جزْمٍ جَوابُ الشرْطِ، وجُملمتَا الشرْطِ والجوابِ في مَحَلِّ رفْعٍ خبَرٌ عن اسمِ الشرْطِ الواقِعِ مُبتدَأً، وقيلَ: جُملةُ الشرْطِ فقَطْ. وقِيلَ: جُملةُ الجوابِ فقَطْ. وهو خِلافٌ مَعروفٌ بينَ النُّحاةِ.
(2) 254 - البيتُ للَبِيدِ بنِ رَبيعةَ العامرىلعامِرِيِّ، يَصِفُ حمارة حِمارًا وَحْشِيًّا وأَتانَه، شَبَّهَ به نَاقَتَه.
اللُّغَةُ: (تَهَجَّرَ) سارَ في وقْتِ الْهَاجِرَةِ، وقد سبَقَ قَريبًا (في شرْحِ الشاهِدِ 253) إنها أنَّها نِصْفُ النَّهارِ عندَ اشتدادِ الْحَرِّ، (الرَّواحِ) هو الوقْتُ مِن زَوالِ الشمْسِ إلى الليلِ، ويُقابِلُه الغُدُوُّ، (هاجَهَا) أَزْعَجَها، (الْمُعَقِّبِ) الذي يَطْلُبُ حَقَّه مرَّةً بعْدَ أُخْرَى، (الْمَظلومُ) الذي مَطَلَه الْمَدِينُ بدَيْنٍ عَلَيْهِ له.
المعنَى: يَقولُ: إنَّ هذا المِسْحَلَ - وهو حِمارُ وَحْشٍ - قد عَجَّلَ رَوَاحَه إلى الماءِ وقْتَ اشتدادِ الهاجِرَةِ، وأَزعَجَ الأَتَانَ، وطَلَبَها إلى الماءِ مِثْلَ طلَبِ الغَرِيمِ الذي مَطَلَه مَدينٌ بدَيْنٍ له، فهو يُلِحُّ في طَلَبِه المرَّةَ بعْدَ الأُخْرَى.
الإعرابُ: (تَهَجَّرَ) فعْلٌ ماضٍ، وفيه ضَميرٌ مُستَتِرٌ جَوَازًا يَعودُ إلى مِسْحَلٍ هو فاعِلُه، (في الرَّوَاحِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بتَهَجَّرَ، (وهَاجَها) الواوُ عاطِفَةٌ، هاجَ: فعْلٌ ماضٍ، وفيه ضَميرٌ مُستَتِرٌ يَعودُ إلى الْحِمارِ الوَحْشِيِّ الذي عَبَّرَ عنه بالْمِسْحَلِ في بيتٍ سابِقٍ - فاعِلٌ، وها: مَفعولٌ به، وهي عائِدَةٌ إلى الأَتَانِ، (طَلَبَ) مصْدَرٌ تَشبِيهيٌّ مَفعولٌ مُطْلَقٌ عامِلُه (هاجَهَا) ؛ أيْ: هاجَها لكى لكَيْ تَطْلُبَ الماءَ حَثيثًا مِثْلَ طلَبِ الْمُعَقِّبِ ... إلخْ، وطلَبَ مُضافٌ و (المعَقِّبُ) مُضافٌ إليه، مِن إضافَةِ الْمَصدَرِ إلى فاعِلِه، (حقَّهُ) حقَّ: مَفعولٌ به للمَصدَرِ الذي هو طَلَبَ، ويَجوزُ أنْ يَكونَ مفعولًا للمُعَقِّبِ؛ لأنه اسمُ فاعِلٍ ومَعناه الطالِبُ، (الْمَظلومُ) نعْتٌ للمُعَقِّبِ باعتبارِ الْمَحَلِّ؛ لأنه - وإنْ كانَ مَجرورَ اللفْظِ - مرفوعُ الْمَحَلِّ؛ لأنه فاعِلٌ.
الشاهِدُ عليه: قولُه: (طَلَبَ الْمُعَقِّبِ المظلومُ) ؛ حيثُ أَضافَ المصدَرَ، وهو (طَلَبَ) إلى فاعِلِه - وهو المعَقِّبِ - ثم أَتْبَعَ الفاعِلَ بالنعْتِ، وهو (الْمَظلومُ) ، وجاءَ بهذا التابِعِ مَرفوعًا؛ نَظَرًا لِمَحَلِّ الْمَتبوعِ.