الصفحة 548 من 811

نِعْمَ وبِئْسَ وما جَرَى مَجَرَاهُما

فِعلانِ غيرُ مُتَصَرِّفَيْنِ ... نِعْمَ وبئسَ رافعانِ اسْمَيْنِ [1]

مُقارِنَيْ ألْ أو مُضافينِ لِمَا ... قارَنَهَا كنِعْمَ عُقْبَى الكُرَمَا" [2] "

ويَرفعانِ مُضْمَرًا يُفَسِّرُهْ ... مُمَيَّزٌ كنِعْمَ قَوْمًا مَعْشَرُهْ" [3] "

مَذهَبُ جُمهورِ النَّحْوِيِّينَ أنَّ"نِعْمَ وبِئْسَ"فِعلانِ؛ بدَليلِ دُخولِ تَاءِ التأنيثِ الساكِنَةِ عليهما، نحوُ:"نَعِمَتِ المرأةُ هنْدٌ، وبِئْسَتِ الْمَرْأَةُ دَعْدٌ".

وذَهَبَ جَماعَةٌ مِن الكُوفِيِّينَ، ومِنهم الفَرَّاءُ، إلى أنَّهما اسْمَانِ، واستَدَلُّوا بدُخولِ حرْفِ الْجَرِّ عليهما في قولِ بعضِهم:"نِعْمَ السَّيْرُ على بِئْسَ العَيْرُ"، وقولِ الآخَرِ:"واللهِ ما هي بنِعْمَ الولَدُ؛ نَصْرُها بُكاءٌ، وبِرُّها سَرِقَةٌ". وخُرِّجَ على جَعْلِ"نِعْمَ وبِئسَ"مَفعولَيْنِ لقَولٍ مَحذوفٍ واقِعٍ صِفَةً لموصوفٍ محذوفٍ، وهو المجرورُ بالحرْفِ، لا"نِعْمَ وبِئْسَ"، والتقديرُ: نِعْمَ السيْرُ على عَيْرٍ مَقولٌ فيه: بئْسَ العَيْرُ، وما هي بوَلَدٍ مَقولٍ فيه نِعْمَ الولَدُ، فحُذِفَ الموصوفُ والصفَةُ، وأُقِيمَ الْمَعْمولُ مُقامَهما معَ بَقاءِ"نِعْمَ وبِئْسَ"على فِعْلِيَّتِهما.

وهذانِ الفِعْلانِ لا يَتَصَرَّفَانِ، فلا يُسْتَعْمَلُ منهما غيرُ الماضي، ولا بُدَّ لهما مِن مَرفوعٍ هو الفاعِلُ، وهو على ثَلاثةِ أَقسامٍ:

الأوَّلُ: أنْ يَكونَ مُحَلًّى بالألِفِ واللامِ، نحوُ:"نِعْمَ الرجُلُ زَيدٌ"، ومنه قولُه تعالَى: {نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} ، واختلُفِ في هذه اللامِ؛ فقالَ قَومٌ: هي للجِنْسِ حَقيقةً، فمَدَحْتَ الْجِنْسَ كُلَّه مِن أجْلِ زَيْدٍ، ثُمَّ خَصَصْتَ زَيْدًا بالذكْرِ، فتَكونُ قد مَدَحْتَه مَرَّتينِ، وقيلَ: هي للجِنْسِ مَجازًا، وكأنَّك قد جَعَلْتَ زَيْدًا الجنْسَ كلَّه مُبالَغَةً، وقيلَ: هي للعَهْدِ [4] .

(1) (فِعلانِ) خبَرٌ مقَدَّمٌ، (غيرُ) نعْتٌ له، وغيرُ مُضافٌ و (مُتَصَرِّفَيْنِ) مُضافٌ إليه، (نِعْمَ) قَصَدَ لفْظَه: مُبْتَدَأٌ مؤَخَّرٌ، (وربِئْسَ) مَعطوفٌ على نِعْمَ، (رَافعانِ) خبرٌ لمُبْتَدَأٍ محذوفٍ؛ أيْ: هما رَافعانِ، وفيه ضَمِيرٌ مُستَتِرٌ فاعلٌ، (اسْمَيْنِ) مفعولٌ به لقوله (قولِه:(رَافعانِ) .

(2) (مقارنىمُقَارِنَيْ) نعْتٌ لقولِه: (اسْمَينِ) في البيتِ السابِقِ، ومقارنى ومُقارِنَيْ مُضافٌ و (ألْ) قَصَدَ لفْظَه: مُضافٌ إليه، (أو) حرْفُ عطْفٍ، (مُضافَيْنِ) مَعطوفٌ على قَوْلِه: (مقارنى مُقَارِنَيْ ألْ) ، (لِمَا) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقوله (قولِه:(مُضافَيْنِ) و (قارَنَهَا) قَارَنَ: فعْلٌ ماضٍ، وفاعِلُه ضَمِيرٌ مُستَتِرٌ فيه، وها: مفعولٌ به، والجُملَةُ لا مَحَلَّ لها صِلَةُ الموصولِ، (كنِعْمَ عُقْبَى الكُرَمَا) الكافُ جَارَّةٌ لقَوْلٍ محذوفٍ، نِعْمَ: فعْلٌ ماضٍ، عُقبَى: فاعلٌ، وعُقبَى مُضافٌ والكُرَمَا: مُضافٌ إليه، وقُصِرَ للضَّرورةِ، وأصلُه: الكُرَمَاءِ.

(3) ، (ويَرفعانِ) فعْلٌ مُضارِعٌ، وألِفُ الاثنينِ فاعِلٌ، (مُضْمَرَا) مفعولٌ به، (يُفَسِّرُهْ) يُفَسِّرُ: فعْلٌ مُضارِعٌ، والهاءُ مفعولٌ به، (مُمَيِّزٌ) فاعلُ يُفَسِّرُ، والجُملَةُ في مَحَلِّ نصْبٍ نعْتٌ لقولِه: (مُضْمَرًا) ، وقولُه: (كنِعْمَ قَومًا مَعْشَرُه) الكافُ فيه جَارَّةٌ لقَوْلٍ محذوفٍ، نِعْمَ: فعْلٌ ماضٍ، وفاعِلُه ضَمِيرٌ مُستَتِرٌ فيه، (قومًا) تَمييزٌ، (مَعْشَرُهْ) معْشَرُ: مُبْتَدَأٌ خبرُه الجمْلَةُ التي قَبلَه، ومَعشَرُ مُضافٌ والهاءُ مُضافٌ إليه.

(4) العهْدُ - عندَ مَن قالَ: إنَّ ألْ في فاعِلِ نِعْمَ وبِئْسَ للعهْدِ - قِيلَ: هو العهْدُ الذهنىلذِّهْنِيُّ؛ لأنَّ مَدخولَها فرْدٌ مُبهَمٌ، وذلك كقولِ القائلِ: ادْخُلِ السُّوقَ، واشتَرِ اللَّحْمَ. ثُمَّ بعْدَ ذلك فسَّرَ هذا الفرْدَ الْمُبْهَمَ بزَيدٍ تَفخيمًا؛ لقصْدِ المدْحِ أو الذمِّ، ومِن الناسِ مَن ذهَبَ إلى أنَّ العهْدَ هو العهْدُ الخارجيُّ، والمعهودَ هو الفرْدُ الْمُعَيَّنُ الذي هو المخصوصُ بالمدْحِ أو الذمِّ، فالرجُلُ في ("نِعمَ الرجُلُ زيدٌ) "هو زيدٌ، وكأنَّكَ قلتَ: نِعْمَ زيدٌ هو، فوَضَعْتَ الظاهِرَ - وهو المخصوصُ - موضِعَ المضمَرِ؛ قصْدًا إلى زِيادةِ التقريرِ والتفخيمِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت